الذكرى ال65 لانتفاضة الدار البيضاء : محطة تاريخية تحمل مقاصد وحدوية مغاربية

تشكل الذكرى ال 65 للأحداث الدامية التي شهدتها الحاضرة الكبرى بالمغرب يومي 7 و8 دجنبر 1952 تنديدا باغتيال الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد وتضامنا مع الشعب التونسي في مقاومته للاحتلال الأجنبي ، محطة تاريخية تحمل مقاصد وحدوية مغاربية . 
ولذلك فإن هذه الذكرى ، التي يتم خلالها تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، تعد مناسبة لاستحضار الروح الوحدوية السائدة بين الأقطار المغاربية، وللتشديد على أهمية بعث هذه الروح بهدف بناء الصرح المغاربي وتقوية دعائمه وإعلاء مكانة ساكنته بين الشعوب والأمم .
كما تعد هذه الذكرى، مناسبة للتوقف عند أهمية الدعم المادي والمعنوي الذي قدمه المغرب للثورة الجزائرية في مواجهة الحملة العنيفة التي كانت تتعرض لها ، وقتئذ ، من طرف المستعمر، مع إبراز حاجة المنطقة المغاربية ، في الظروف الراهنة، لتلك الروح التضامنية والوحدوية لرفع التحديات التنموية والأمنية، كما أكد على ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم 20 غشت 2016 بمناسبة الذكرى ال63 لثورة الملك والشعب.
وهي كذلك مناسبة للتذكير بالوقفة التضامنية التي حفظها أهل تونس الخضراء، للمغاربة، إذ في الخطاب الذي ألقاه رئيس المجلس الوطني التأسيسي التونسي السيد مصطفى بن جعفر في 31 ماي 2014 ، ترحيبا بصاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي ألقى خطابا هاما أمام أعضاء المجلس، أكد بن جعفر أن ” تونس لا تنسى أبدا الموقف النضالي العظيم لجلالة المغفور له محمد الخامس، وتضامنه المطلق مع تونس، وننحني بخشوع لشهداء الدار البيضاء الذين سقطوا برصاص الاستعمار الفرنسي يومي 7 و8 دجنبر 1952 بعد أن هب مواطنو ومواطنات الدار البيضاء في انتفاضة عارمة على الآلة الاستعمارية الغاشمة استنكارا للاغتيال الفظيع والوحشي للزعيم فرحات حشاد “.
فبحلول يوم سابع دجنبر الجاري من هاته السنة ، تكون قد مرت 65 سنة عن هذه الانتفاضة ضد الاستعمار الفرنسي، حين هبت ساكنة المدينة ثائرة في وجه قوى الاستعمار، بعد جريمة اغتيال فرحات حشاد يوم الجمعة 5 دجنبر 1952. 
انتفاضة أكد من خلالها الشعب المغربي تشبعه بقيم التضامن مع باقي الشعوب المغاربية في نضالاتها ضد قوى الاستعمار الغربية، وتوقها إلى الحرية والاستقلال وبناء المغرب العربي الكبير.
واعتبارا لحجم هذه الانتفاضة، والأبعاد التي اتخذتها على المستويين الإقليمي والدولي، فقد شكلت بنظر العديد من المؤرخين ، منعطفا حقيقيا في تاريخ كفاح الشعوب المغاربية، والعمالية على الخصوص، إذ كانت المنطلق لبناء عمل نقابي وحدوي، جمع إرادة الشعوب ووحد تطلعاتها نحو وطن مغاربي بلا حدود. 
وكانت انطلاقة هذه الهبة الجماهيرية مباشرة، بعد أن بلغ إلى ساكنة الدار البيضاء، بعد زوال يوم الجمعة 5 دجنبر 1952 ، نبأ اغتيال فرحات حشاد، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي نذر حياته للنضال في سبيل إرساء دعائم العدالة الاجتماعية، وتثبيت الحقوق النقابية والسياسية، وضمان ممارستها بالمنطقة المغاربية. 
فالأمر يتعلق برائد من رواد الحركة العمالية، أرسى قواعد العمل النقابي المناضل، وعمل بقوة من أجل تأسيس اتحاد نقابي على مستوى شمال إفريقيا، يجمع كل النقابات التي نشأت بالمغرب والجزائر وليبيا. 
وكانت جريمة اغتيال فرحات حشاد ، بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الغضب والاستنكار في الأوساط الشعبية جراء الفظاعات التي يرتكبها المحتل الأجنبي في حق الساكنة، من مصادرة للأراضي وتشريد للأسر واعتقال للمناهضين لسياسته، ومصادرة للحريات العامة الفردية والجماعية ولحقوق الإنسان . 
ويكتسي تخليد هذه الذكرى صبغة خاصة هذه السنة ، حيث إنه يندرج في سياق حرص المغرب على الحفاظ على علاقات قوية وبناءة مع باقي بلدان المغرب العربي والقارة الإفريقية، واستعداده الدائم للتعاضد والتضامن مع الأشقاء والأصدقاء، والسعي لتدارك الفرص الضائعة، وتجاوز النزاعات المجانية التي ظلت تقف حجر عثرة في وجه إقلاع اقتصادي حقيقي بمنطقة المغرب العربي .
ومن الدروس التاريخية لهذه الذكرى بالنسبة للأجيال الحالية والمستقبلية، التعرف على مغازي الأحداث التي شهدتها الدار البيضاء والمظاهرات والانتفاضات البطولية إثر اغتيال فرحات حشاد ، وكذا دور هذه الأحداث في انطلاق المقاومة الفدائية وانتشار رقعة هذه الأخيرة عقب نفي السلطان محمد بن يوسف وإبعاده عن العرش في 20 غشت 1953.
وبالمناسبة تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، كل سنة، لقاءات وتجمعات ومهرجانات خطابية ، تبرز خلالها الوقوف الثابت لأسرة المقاومة وجيش التحرير وانخراطها التام في أجواء التعبئة الوطنية العامة من أجل الدفاع عن القضية الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية المقدسة.
ويشمل برنامج هاته السنة، زيارة مقبرة الشهداء ( وقفة ترحم على أرواح شهداء هذه الأحداث )، يليها مهرجان خطابي ، علاوة على تخليد أربعينية المقاوم الراحل سعيد بونعيلات بمشاركة شخصيات وازنة وطنية وأجنبية .
كما يشمل توزيع أوسمة ملكية سامية، وتكريم عدد من المقاومين ، فضلا عن تسليم أعانات مالية على مجموعة من المستفيدين في إطار التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي. 
إن انتفاضة الدار البيضاء، تشكل عنوانا للآمال التي ظلت الشعوب المغاربية تتطلع إليها منذ عدة عقود بتحقيق الوحدة والتكامل، والتي ظلت مجرد مشروع يتأجل باستمرار جراء نزاعات هامشية مفتعلة، ومواقف مزاجية، وأطماع وهمية لفرض الهيمنة والتوسع في منطقة المغرب العربي الكبير. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Protected with IP Blacklist CloudIP Blacklist Cloud

40b401dbd68c309865fe68a7b366a62bH
التخطي إلى شريط الأدوات