“دواعش!” لكن بدون “لحى!”

منذ ظهور الجماعة الجديدة في مسرح الحياة السياسية الشرق أوسطية ونحن نتتبع أكشنتها” التي فاقت حدود الوصف، لتضعنا جبرا أمام مناظر الدماء والإعدامات على الهواء، وتغمر قنوات العالم وفضائه الإفتراضي بالمشاهد الغريبة وكأننا أمام فيلم مشوه يمزج بين ماض لم يبق منه سوى شكلانية التمظهرات، وحاضر قاس لم يأخذوا منه إلا الأسلحة والقنابل والمتفجرات.
لكن إن نحن نظرنا بتمعن إلى تفاعلنا مع فعل الدعشنة، لوجدنا أن العنف بحد ذاته ليس هو المشكل الرئيس لدى الكثيرين، ولا هو القضية الجوهرية التي حركت النقد والتحذير وأشكال الإستهجان، وإنما الإشكال الجديد ومركز الإنكار، هو الذبح وقطع الرؤوس، هو الإعدام المباشر وأمام الناس، هو هذا النزوع المبالغ فيه لسفك الدماء وفرض الرؤى وشكل الحياة وطرق اللباس
لأن الواقع السياسي للمنطقة، يذكرنا كل يوم بمآسي شعوب وأعراق ماتزال آهاتهم تعلو أنيناولا سميع، في كل يوم يقتل بشار أكثر من مائة إنسان، وفي أيام جاوز الألف إلى حدود الألفين، صحيح أن منظر الذبح مرعب ومقيت، لكن قتل الأطفال بالغازات السامة أسوأ بكثير، وهدم البيوت على رؤوس من فيها أفضع بدرجات، وترك أحياء وقرى في سجن مفتوح تموت جوعا وبردا أشد وطأ وأكثر قساوة.
منذ ثلاث سنوات ومعاناة أهل الشام لا تكاد تقف أو تنقضي، حتى صار الشعب مشتتا في المخيمات وأراضي اللجوء وتائها بين البلدان، منذ سنوات وشبيحة النظام يعيثون في الأرض فساداً وقتلا، غير آبهين بالأرواح ولا الكرامات، شعارهم إما الأسد أو نحرق البلد، لكأن الشعب ليس له الحق أن يطلب حريته، أن يحلم بوطن يتساوى فيه الناس تحت أفياء الديمقراطية وبين ظلال القانون، لا أن يجبروا على الخنوع قبل الحراك، وأن ينحنوا بعده لتقبيل الصور والأحذية مرددين على مضض إما بشار أو لا إله.
وفي العراق ما كاد المحتل يخرج حتى قامت ظلمات الإنتماءات والأعراق، فصارت البلاد أرضا طائفية، يقتل الشعب بعضه بعضا، كل يوم أعمال انتحارية وتفجيرات، وزاد ميل النظام من تعميق الجراح، كم من إنسان قتل وكم من مظلوم سجن وأعدم، كم من بيوت هجرت وكم من حقوق أهدرت، وكل هذا في ظل نظام يقول عن نفسه إنه يروم بناء دولة ديموقراطية تقطع مع استبداد صدام وتبني وطنا قابل للحياة، غير أن الذي كان، مزيد قتل وانتهاكات وظلم ساد، ثم يخرجون علينا معلنين أن الإعتصامات المطالبة بتعديل الكفة وإصلاح الحال، لا تعدوا أن تكون أوكار إرهاب يتزعمهما طلاب سلطة، من الذي يفرق الشعوب والأوطان ويجزؤها سوى الظلم والطغيان، من الذي هجر الناس من بيوتهم وهي أغلى ما يمتلكون بعد كرامتهم إن لم يكن غياب شروط البقاء وأساسيات الحياة
وفي رابعة لم تغب مشاهد الدماء عن بالنا للحظة أو ثوان، ماتزال أصواتهم في الأذن باقية وهم يصدحون عاليا سلمية سلمية، مؤمنين أن سلميتهم أقوى من الرصاص، لكن الذي كان، أن لا شعارهم هذا منع عنهم القتل والقنص وقنابل الغاز، ولا المنظمات الدولية حالت دون ارتكاب المجازر وحرق الجثث وقنص العيون واستهداف الحياة، لقد قتل في بضع ساعات أكثر من ثلاثة آلاف إنسان من غير جريرة ولا ذنب، واعتقل عشرات الآلاف، وطرد الإنقلاب عقول البلد وأحراره إلى غير ما بلد من البلدان، مخيرا إياهم بين البقاء بصمت والعيش بذل، أو السجن والتنكيل وألوان العذاب
من كل هذا نخلص إلى أن بشار يدعى الحداثة والدمقرطة ويعلن أنه ما قام إلا للحرب على الإرهاب، وهذا صاحب العراق ما كاد يخرج إلا بعد تقسيم الشعب وإفقار البلاد تحت مسمى محاربة الإرهاب، وصاحب أم الدنيا مارس القتل بكل ألوانه ضد الشعب وحلمه وكل ذلك تحت مظلة القضاء على الإرهاب، اختلفت شعاراتهم لكن في الجوهر وشكل الفعل سواء، أي جرم أعظم من كل هذا، أليست مثل هذه الأفعال نوع من الدعشنة جديد، صحيح أنهم لا يلبسون السواد، ولا يعفون عن اللحى ولا يدعون للنقاب، صحيح أن تحكيم الشرع ليس منطوق الشعار، ولا مجابهة الصليبيين غاية وخيار
لكن، من الذي يصنع الدواعش ويمدهم بترياق الحياة، أليس الظلم والقهر واستعباد الناس، أليس الخضوع للغير والتذلل له على حساب الأوطان، أليس منع الشعب من حلمه في وطن يبتسم لكل أهله ويحتضن الجميع، لا يميز بين فصيل أو تيار أو تنظيم، ولا ينتصر لعرق أو ملة أو إتجاه، ألم يكن الحلم قبل السعي لوأده أن يتساوى الكل أمام القانون، ويعظم في الوطن قيمة البشر والحجر
فإذا كان الخوف ممن يعلنون أنهم دواعش، وهم معروفون على كل حال ونحن لهم بالمرصاد، فإن الحذر والحيطة الكبرى يجب أن تكون أيضا تجاه أولئك الذين يقولون إنهم على النقيض من فكر التكفير والترهيب، فيما أفعالهم لا تعيد سوى خلق الجهل والتخلف وألوان الضيم والظلم
.

عن: “موقع البجيدي”

 

التعليقات مغلقة.