“مسيرتان” لـ”وطن واحد”

“حدث” وان قاد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، عدة “مسيرات” مختلفة في جميع المجالات، لتحقيق ما كان يصبوا اليه من عز وكرامة للشعب المغربي، الوفي لشعاره، ولمبادئه ولتاريخه البطولي، وذلك بدء بمأسسة الدولة المغربية بعد الاستقلال، ومسيرة المليون هكتار، وسياسة الماء من خلال السدود، والحفاظ على الثوابت الدينية، بصفته اميرا للمؤمنين، والذود عن وحدة الوطن، واسترجاع اقاليمه الصحراوية ، بعبقرية المسيرة الخضراء التي ابهرت العالم، كان هو الهدف.

لكن تلك المسيرات التي تحققت من خلال نكرات الذات، لم تخل من تشوش بعض “الخونة” من مخلفات الاستعمار، والباحثون عن الكلأ ، والمنتفعون من ثروات الشعب، واشياء اخرى (…!)، جعلت المغفور له الحسن الثاني ، حينما قرر تنظيم المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء المغربية، يقول في خطابه يوم 16 أكتوبر من سنة 1975: ” منذ شهرين وأنا أحمل هذا الحمل في أعصابي زيادة على الأعباء الأخرى. منذ شهرين وأنا أومن عشر مرات في الصباح، وفي الليل أشك عشرين مرة!. شهران وأنا أقول هل من حقي أن أدفع شعبي، أو من غير حقي؟ هل من واجبي أو من غير واجبي”، حيث كان ايضا يفكر في شيئين اثنين: استرجاع الصحراء ، او تسليم الحكم الى مجلس الوصاية.

واضاف رحمه الله في خطابه يوم الخامس من نونبر 1975: “إن الكثير من الناس ظنوا أنها مغامرة، وظنوا أنها عملية سياسية تمكننا من تغطية عيوبنا ومشاكلنا، والحالة أن الذين قالوا هذا الكلام أو كتبوه، فمنهم من يجهل المغرب ولا حرج عليه، ومنهم من يعرف، ومع ذلك كتب عليه ما كتب، أو قال فيه ما قال… وما ذلك إلا لحسد وحقد، ضد هذا البلد الذي أعطى ولله الحمد، وسوف يعطي الأمثلة والدروس”

والصورة التي ظلت تؤرق الحسن الثاني ، هي الخوف من أن يحدث مكروه لثلاثمائة وخمسين ألف متطوع، ولذلك لم يتردد في الاعتراف أنه كان سيستقيل لو فشلت المسيرة، لأنه كان سيترك خلفه ضحايا لم يكن لهم من سلاح غير كتاب الله في اليد، والراية المغربية في اليد الأخرى “ذاكرة ملك”.

ومن مسيرات السلف، الى مسيرات الخلف، الملك محمد السادس، والتي رسخها بعبقرية “ملك مواطن”، من خلال جعل عرشه على سيارته، ليتفقد بنفسه احوال شعبة، ويشرف على جميع المشاريع التنموية، الكبرى والصغرى، التي اطلقها بنفسه، اضافة ابداع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي يشهدا بها العالم، في مجال محاربة الفقر والهشاشة، من طنجة الى الداخلة، ومن وجدة الى الكويرة، وذلك منذ اعتلاء عرش اسلافه الميامين.

وهاهو اليوم، وبمناسبة الذكرى التاسع والثلاثين للمسيرة الخضراء، يجدد “الملك الانسان”، مرة اخرى عزمه على مواصلة تطبيق خارطة الطريق التي رسمها بعبقريته الخاصة، لانهاء النزاع المفتعل من طرف خصوم الوحدة الترابية، في الصحراء المغربية، حيث قال حفظه الله: ” لقد مرت أربعون سنة من التضحيات، من أجل استرجاع الأرض، وتحرير الإنسان، وتكريم المواطن المغربي بالصحراء، وكسب قلبه، وتعزيز ارتباطه بوطنه.
وإننا لنستحضر، بكل تقدير، جميع الذين قدموا حياتهم، في سبيل الدفاع عن الصحراء. فهناك أمهات وآباء من جميع أنحاء الوطن، فقدوا أبناءهم في الصحراء.
وهناك أرامل تحملن أعباء الحياة وحدهن، وأيتام لم يعرفوا حنان الأب، من أجل الصحراء. وهناك شباب فقدوا حريتهم، وعاشوا أسرى لسنوات طويلة، في سبيل الصحراء.
فالصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم. الصحراء قضية كل المغاربة. وكما قلت في خطاب سابق : الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود.
والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”.
ولتوضيح الرأى للجميع، لـ”المغاربة، الجيران، العالم، والامم المتحدة!. قدم من خلال خطابه التاريخي، معطيات قل من كان يعلمها حول وضعية الصحراء المغربية في السابق، قال نصره الله: “فالكل يعرف الوضع الذي كانت عليه الصحراء، قبل 1975. ولمن لا يعرف الحقيقة، أو يريد تجاهلها، أقدم بعض المعطيات :
فمنذ استرجاعها، مقابل كل درهم من مداخيل المنطقة، يستثمر المغرب في صحرائه 7 دراهم، في إطار التضامن بين الجهات وبين أبناء الوطن الواحد.
كما أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة، سنة 1975، كانت أقل ب6 بالمائة من جهات شمال المغرب، وب51 بالمائة مقارنة بإسبانيا.
أما اليوم، فهذه المؤشرات بالأقاليم الجنوبية، تفوق بكثير المعدل الوطني لباقي جهات المملكة. لهذا أقول، وبكل مسؤولية، كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة.
فمن المعروف أن ما تنتجه الصحراء، لا يكفي حتى لسد الحاجيات الأساسية لسكانها. وأقولها بكل صراحة : المغاربة تحملوا تكاليف تنمية الأقاليم الجنوبية. لقد أعطوا من جيوبهم، ومن رزق أولادهم، ليعيش إخوانهم في الجنوب، في ظل الكرامة الإنسانية.
كما أن الكل يعرف أن المغرب حريص على استفادة سكان المنطقة من ثرواتها، في ظل تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية.
صحيح أن نمط التدبير بالصحراء، عرف بعض الاختلالات، جعلتها، مع توالي السنوات، مجالا لاقتصاد الريع وللامتيازات المجانية.
وهو ما أدى إلى حالة من الاستياء لدى البعض، وتزايد الشعور بالغبن والإقصاء، لدى فئات من المواطنين”.

موجها في نفس الخطاب رسالة مشفرة لمن “يهمهم الامر!” من المغاربة، لكي يستوعبوا اكثر ما معنى “تمغربيت”! بالقول:

“إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن، بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه.
هؤلاء الذين جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية، مطية لتحقيق مصالح ذاتية. كما نعرف أن هناك من يضعون رجلا في الوطن، إذا استفادوا من خيراته، ورجلا مع أعدائه إذا لم يستفيدوا.
وهنا أقول : كفى من سياسة الريع والامتيازات. وكفى من الاسترزاق بالوطن”.

مبرزا حفظه الله، ” بأنه لا يجب تضخيم الأمر. فهؤلاء الانتهازيون قلة ليس لهم أي مكان بين المغاربة. ولن يؤثروا على تشبث الصحراويين بوطنهم.
لذا، وإنصافا لكل أبناء الصحراء، وللأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن، دعونا لإعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بأقاليمنا الجنوبية.
وفي هذا الإطار، يندرج قرارنا بتفعيل الجهوية المتقدمة، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. غايتنا إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق، وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، في ظل الشفافية والمسؤولية، وتكافؤ الفرص.
ولهذه الغاية ندعو لفتح حوار وطني صريح، ومناقشة مختلف الأفكار والتصورات، بكل مسؤولية والتزام، من أجل بلورة إجابات واضحة، لكل القضايا والانشغالات، التي تهم ساكنة المنطقة، وذلك في إطار الوحدة الوطنية والترابية للبلاد.
كما ندعو القطاع الخاص، للانخراط أكثر في تنمية الأقاليم الجنوبية”.

مؤكدا بان المغرب يرفض كل الممارسات، التي تستهدف المس بأمنه واستقراره، وسيتصدى لها بكل حزم ومسؤولية، في إطار القانون، وتحت سلطة القضاء، متسائلا بغيرة وطنيية قبل الملك المواطن، حول “متى كان ترهيب المواطنين، وتخريب ممتلكاتهم، التي اكتسبوها بجهدهم وعرق جبينهم، حقا من حقوق الإنسان ؟، ومتى كان الإخلال بالأمن العام، وتدمير الممتلكات العمومية، يدخل في إطار ممارسة الحقوق والحريات ؟.“، مذكرا بخطاب المسيرة سنة 2009، الذي قال فيه: ” لقد عبرنا عن رفضنا القاطع لهذه الممارسات، ونبهنا إلى أن “أي شخص إما أن يكون وطنيا أو خائنا. فليس هناك مرتبة وسطى بين الوطنية والخيانة!، كما أنه ليس هناك درجات في الوطنية، ولا في الخيانة!، فإما أن يكون الشخص وطنيا، وإما أن يكون خائنا. صحيح أن الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك. ولكن مرة واحدة، لمن تاب ورجع إلى الصواب. أما من يتمادى في خيانة الوطن، فإن جميع القوانين الوطنية والدولية، تعتبر التآمر مع العدو خيانة عظمى”.
إننا نعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ولكن الخيانة لا تغتفر. والمغرب لن يكون أبدا، مصنعا “لشهداء الخيانة”.

ولكي يذكر، لان الذكرى تنفع المؤمنين، بالشهداء الحقيقيين ، والذين وهبوا ارواحهم في سبيل الحرية والاستقلال، للدفاع عن الوحدة الترابية قال نصره الله : “كفى من المزايدات على المغرب، وكفى من استغلال فضاء الحقوق والحريات، التي يوفرها الوطن، للتآمر عليه!”، مؤكدا في ذات الخطاب الذي يعد بمثابة ارضية لـ”مسيرة اخرى” واضحة المعالم، “بان المغرب يتوفر على آلياته ومؤسساته الخاصة، المشهود لها دوليا بالالتزام والمصداقية، لمعالجة كل القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، وهو البلد الوحيد بالمنطقة، الذي يتعاون مع الآليات الخاصة للمجلس الأممي لحقوق الإنسان”. جاعلا من صراحته المعهودة حدا لكل تأويل، مبني على الدسائس والمغالطات، من طرف اعداء الوطن.

ومن خلال صدق نيته، وعزيمته القوية على توضيح الرؤيا، لمن لا يريد ان يرى ويسمع، او لمن لا يريد ان يفهم رغم انه فاهم!، قال: “إن المغرب عندما فتح باب التفاوض، من أجل إيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل حول صحرائه، فإن ذلك لم يكن قطعا، ولن يكون أبدا حول سيادته ووحدته الترابية”، فالمغرب يضيف جلالته ” ليس لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر، ولا عن طريق الوساطة الأممية مع أي كان!، ولكن يجب التأكيد هنا، على أن سيادة المغرب، على كامل أراضيه ثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة”، فمبادرة الحكم الذاتي، ـ يؤكد جلالة الملك ـ “هي أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب، في إطار التفاوض”.

ومن خلال اللاءاته بالمساس بالوحدة الترابية للمملكة، “فالمغرب لا يمكن أن يكون رهينة، لأفكار إيديولوجية، وتوجهات نمطية لبعض الموظفين الدوليين. وأي انزلاقات أو مغالطات، سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية، وبالمقابل، فانه مستعد للتعاون مع كل الأطراف، للبحث عن حل يحترم سيادته، ويحفظ ماء وجه الجميع، ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتحقيق الاندماج المغارب” يضبف جلالته.

وليوضح اكثر سواء للامم المتحدة ، او للقوى الدولية الكبرى، منها الولايات المتحدة الأمريكية، والبيت الأبيض، وللذين يتعاملون بنوع من الغموض مع المغرب!، قال: “فدون تحميل المسؤولية للجزائر، الطرف الرئيسي في هذا النزاع، لن يكون هناك حل. وبدون منظور مسؤول للواقع الأمني المتوتر بالمنطقة، لن يكون هناك استقرار”، وهذه الحقيقة التي كلما قالها المغاربة، يتم اتهام الحكومة والأحزاب والصحافة المغربية، بمهاجمة الجزائر. ـ يؤكد جلالة الملك.

والمتتبع للخطب الملكية منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس، عرش اسلافه المنعمين، يستشف منها ان مسيراته المدروسة لتحقيق امن واستقرار المغرب ، ورفاهيته وعطفه على شعبه، وغيرته على وطنيته، يتضح له بان هناك شيئ من حتى! تشوش على ما يصبوا اليه لهذا الوطن الامين. وما صراحته المعهودة في خطابه الاخير هذا، حينما اشار الى “الوطنيين” و”الخونة” والى “الذين يأكلون الغلة و(..!)، الا دليل على انه يعلم علم اليقين، لما “يجري ويدور!”، سواء على الارض او في اذهان البعض!، الذين اشار اليهم بالمرموز!، عل وعسى ان يفهموا رسالة عطف الاب على ابنائه، بدل تطبيق الاحالة، طبقا للثوابت الوطنية. لان مسيرة “مغرب محمد السادس” قد انطلقت، كما انطلقت المسيرة الخضراء للمغفور له الملك الحسن الثاني ، حينما قرر ان تنطلق، رغم التهديدات بعدم انطلاقها!.

وهذا ما حدث، وفي انتظار ما سيحدث، اقول: “ان تمغربيت” بملكها المواطن، رحمة من الله على هذا الشعب الامين، ومن لا يحمد الله، فهو كافر خائن!.

التعليقات مغلقة.