تونس: جدل محتدم داخل الطبقة السياسية حول المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة

تشهد الطبقة السياسية في تونس في الآونة الأخيرة، جدلا محتدما حول تعديل قانون الأحوال الشخصية المتعلق بالإرث من أجل تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وذلك بعد الدعوة التي وجهها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي بهدف تعديل القانون المذكور.
وكان الرئيس التونسي قد دعا يوم الأحد الماضي إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية المتعلق بالإرث بصورة متدرجة بهدف بلوغ المساواة التامة بين الرجل والمرأة، حيث اعتبر في خطاب ألقاه بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة في تونس أنه “من المطلوب و من الممكن اليوم” تعديل قانون الأحوال الشخصية المتعلق بالإرث بصورة مرحلية متدرجة حتى بلوغ هدف المساواة التامة بين الرجل والمرأة.
ويكاد المشهد السياسي في تونس ينقسم بين مؤيد ورافض وطرف ثالث حريص على التعامل بحذر مع موضوع المساواة في الميراث، إذ في الوقت الذي رحبت فيه عدة أحزاب وجمعيات من المجتمع المدني بهذا المسعى رفضته أطراف أخرى في المجتمع، فيما دعا فاعلون آخرون إلى التحلي بالحذر مع موضوع حساس ودقيق.
وهكذا فقد رحبت عدة أحزاب سياسية بما أعلن عنه الرئيس الباجي قايد السبسي بشأن تعزيز المساواة بين الجنسين في الإرث وزواج المسلمة بغير المسلم، في حين اعتبرت أحزاب أخرى أن الأمر يتعلق بـ”قرارات ارتجالية لم تراعى فيها إرادة الشعب والدين “.
ويرى حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي أن المضي قدما في تكريس المساواة بين النساء والرجال في مختلف مجالات الحياة العامة والخاصة طبقا لما يضمنه دستور الجمهورية الثانية، مع العمل على نشر ثقافة المساواة، سيساهم في تغيير العقليات الاجتماعية وحماية الحقوق الفردية.
وأشار الحزب في بيان له إلى أن تمكين النساء وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة ومواقع اتخاذ القرار ودعم قدراتهن الاقتصادية يستوجب وضع آليات من شأنها أن تساعد على نشر ثقافة المساواة على أوسع نطاق ممكن.
وأعلنت “حركة نداء تونس” ، من جهتها ، مساندتها التامة للإجراءات التي أعلن عنها الرئيس التونسي والهادفة إلى إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، مؤكدة تجندها لإنجاح مسار النقاش حول المقترحات الكفيلة بترجمة هذا التوجه الإصلاحي الى منظومة تشريعية نافذة تحقق الغايات الإصلاحية المستهدفة بالتوازن بين الالتزام باحترام مبادئ الدين الإسلامي وبين ما نص عليه الدستور التونسي.
وبدوره، أكد حزب “القطب الديمقراطي الحداثي” دعمه “لأي مبادرة تهدف إلى ضمان المساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن جنسهم أو معتقدهم أو أصولهم العرقية أو توجهاتهم الجنسية “.
وفي المقابل أعلن حزب “قوى 14 يناير” عن الرفض القاطع شكلا ومضمونا لما جاء في خطاب الرئيس التونسي وخاصة في ما يتعلق بالمساواة في الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم وذلك طبقا لتعاليم الدين الاسلامي.
وشدد على أنه ” لن يسمح بتمرير أي قانون مخالف لشرع الله”، مطالبا بالكف عن الاعلان عن “قرارات ارتجالية لا تتم فيها مراعاة الدين وإرادة الشعب ومصلحته”.
من جهته، اعتبر “تيار المحبة” أن قرار الرئيس التونسي بتشكيل لجنة لبحث ملف المساواة بين الجنسين في الميراث “إثارة للفتنة وزرع الفوضى في البلاد طمعا في أصوات انتخابية “.
أما بالنسبة لموقف حركة النهضة من مبادرة الرئيس السبسي، فقد اعتبر رئيس المكتب السياسي للحركة نور الدين العرباوي، ” أن الحركة لا ترى أي إشكال في طرح موضوع المساواة في الإرث بين المرأة والرجل، طالما أن هذه المسألة ستطرح ضمن ثوابت الدستور وفي إطار الالتزام بنص الإسلام وروحه “.
وأوضح العرباوي في تصريحات أمس الثلاثاء، أن “الحركة ستنتظر ما ستنتهي إليه أعمال اللجنة المكلفة بدراسة الموضوع”، مبينا أن الرئيس الباجي قايد السبسي وضع المسألة في إطارها، وأكد أن ” العمل الذي ستقوم به اللجنة لا يتعارض لا مع الدين الإسلامي أو مع مقاصده ولا مع الدستور ومبادئه”.
واعتبر عماد الخميري النائب عن الحركة والناطق الرسمي باسمها أن الأمر يتعلق بقضية مجتمعية بامتياز يتعين دراستها ضمن حوار اجتماعي واسع لأن المسألة تتداخل بين العديد من المواضيع منها ما هو ديني وثقافي ومنها ما يتصل بالدستور والتقاليد.
ولم يقتصر النقاش حول هذا الموضوع على الأحزاب بل امتد إلى شخصيات وفاعلين سياسيين في البلاد، حيث ذهب البعض إلى اعتبار ما أعلنه الرئيس التونسي بمثابة “ثورة ثانية”، في حين رأى البعض الآخر أن ما أعلن عنه الرئيس التونسي يهدف إلى “تلهية الرأي العام عن قضاياه الحقيقية التنموية والاقتصادية”.
وذهب فاعلون سياسيون آخرون إلى تأييد المبادرة من حيث المبدأ واعتبروها إيجابية، لكنهم حرصوا على التأكيد على ضرورة الالتزام بالدستور والشريعة الإسلامية، مشددين على أن هذا الموضوع يحتاج إلى المزيد من النقاش في أفق صياغة قانونية ملموسة.
وترى رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة لتونس راضية الجربي أن المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة قابلة للتنفيذ في تونس طبقا للدستور والقانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.
واعتبرت الجربي أن تطبيق المساواة في الإرث يعد اليوم “نتيجة منطقية” لتطور دور المرأة في المجتمع واعترافا بحقوقها، مشيرة إلى أن الدستور التونسي ينص في فصله السادس والأربعين على المساواة بين الرجل والمرأة في كل المجالات. وترى أن “حرمان المرأة من حقها في الحصول على نصف تركة والديها مثل أخيها يعد نوعا من الاستغلال الاقتصادي الذي يستوجب العقاب”.
ومن جهة أخرى ، حذر بعض الفاعلين السياسيين من خطر استغلال موضوع المساواة في الإرث من أجل غايات انتخابية والدخول في حملات انتخابية سابقة لأوانها. ويرى هؤلاء أنه مازال من المبكر الحديث عن مشروع قانون يتعلق بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.
يذكر أن الرئيس التونسي كان قد أعلن أنه قرر إحداث لجنة للحريات الفردية والمساواة لدى رئاسة الجمهورية تتولى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة استنادا إلى مقتضيات دستور 27 يناير 2014، والمعايير الدولية لحقوق الانسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة.
وأعرب الرئيس قايد السبسي في هذا السياق عن يقينه بأن العقل الإيماني الاصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض لا مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه والتي ستضيف لبنة أساسية في اتجاه المساواة الكاملة.
ولاحظ أن المرأة رغم تبوئها للمواقع الأولى في العديد من المجالات واثباتها جدارتها في القيام بكل المهام على أكمل وجه، ما يزال واقعها يتسم بالحيف والظلم والتسلط والتمييز وهو ما يستوجب، على حد قوله، السعي إلى تحقيق المساواة بين النساء والرجال على اعتبار ان المساواة هي أساس العدل وأساس العمران.
وتفيد إحصائيات نشرت مؤخرا بوجود تفوق عددي للإناث في تركيبة المجتمع التونسي (50,2 بالمائة) فضلا عن كون النساء يمثلن 60 بالمائة من عدد الحاصلين على شهادات عليا و60,52 بالمائة في قطاع الطب و 75,93 بالمائة في قطاع الصيدلة وطب الأسنان و 50 بالمائة في مجال الهندسة.

حدث كم/ و م ع

التعليقات مغلقة.