كيف حررنا مياهنا الإقليمية الوطنية بعد أن حررنا أراضي أقاليمنا الجنوبية‬ ؟

عبد السلام البوسرغيني : ‫ لو كنت أمارس مهنتي في أية صحيفة ورقية لنشرت عنوان اتفاقية الصيد  ‫ البحري والاتفاقية الفلاحية مع الاتحاد الأوروبي على أعلا الصفحة الأولى ‫ وعلى ثمانية أعمدة لكي أنبه الى أهمية هذا الحدث !

فما وصلنا إليه مع  ‫ الاتحاد الأوروبي يعد من الأهمية بمكان يجب على المغاربة أن يدركوا  ‫ أبعاد ما يرمز اليه وما يمثله من انتصار على أعدائنا في هذه المعركة ‫ الجديدة التي خضناها في مختلف المحافل الدولية .

لقد كان انتصارا ‫ ديبلوماسيا وقانونيا على غرار ما حققته بلادنا في المعارك السابقة ، وفي ‫ كل المراحل التي تربص خلالها الأعداء بنا طوال أكثرمن أربعين سنة ‫،  الواقع انه بالموافقة هذا اليوم 15 يناير 2019 على الاتفاقية الفلاحية ، وبالموافقة أيضا على اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي ستتعززالشراكة المغربية الأوروبية ، وسيتقوى التحالف الاستراتيجي الذي يجمعنا ويشمل أمننا معا .

ورغم أن ذلك يعد مهما بالنسبة للمغرب لتعزيز مسيرته التنموية ولتقوية جانبه الدفاعي ، فإنه لا يرقى الى ما كان يطمح إليه جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني،  والمتمثل في الحصول على العضوية في الاتحاد الأوروبي .

ولكن هذا المسعى الذي يسجل له رحمه الله في تاريخه الحافل من أجل وطنه ، حال دون تحقيقه كون المغرب غير مرتبط ترابيا بالقارة الأوروبية ، وأن كنّا أقرب بلد اليها جغرافي .

لقد كان مقتنعا بأن هذا القرب وما وصلت اليه ارتباطاتنا الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية،  تمنحنا حق طلب العضوية كي يتاح للمغرب أن يحصل على ما كانت أسبانيا والبرتغال قد حصلتا عليه،  طبقا للمقتضيات القانونية التي تحكم تدبير شؤون الاتحاد الأوربي والتي تقضي بمساعدة الدول الأعضاء للالتحاق بركب التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي ، وهذا ما كان قد حصل بالفعل مع أيطليا قبل اسبانيا والبرتغال ،الشيء الذي جعلها تنهض بجنوبها في صقلية مثلا .

لم يستجب الاتحاد الأوربي لطلب المغرب،  ولكن قادته منحوا المغرب وضعية الشريك المتميز وهو وضع حقق لبلادنا مكاسب ستساعدنا ولا شك على النهوض باقتصادنا وتحقيق التقدم الذي ننشده .

‫ إن الاتفاقية الفلاحية التي صادق عليها البرلمان الأوربي اليوم وصنوتها اتفاقية الصيد البحري التي اجتازت المراحل الحاسمة في المصادقة عليها ستحقق منافع متبادلة ، حتى وان قال بعض المعلقين بأنها كانت لصالح الأوروبيين اكثر ، ولم يترددوا في توجيه انتقادات لا أدري على اَي معطيات استندوا لحساب ما سيكسبه الأوروبيون من استغلال الثروة السمكية في مياهنا الإقليمية .

ولقد ذكرتني هذه الانتقادات بما كنت قد كتبته في صيف سنة 1983 بجريدة “رسالة الأمة” الناظقةَ آنذاك باسم الأغلبية الحكومية،  منتقدا أول اتفاقية الصيد كان المغرب قد أبرمها مع إسبانيا قبل أن يدخل التعاقد في ميدان الصيد البحري في اختصاص اللجنة الأوروبية المتحكمة في تدبير العلاقات الخارجية للاتحاد الروبي .

ولقد كنت قد اعتمدت في انتقادي لبعض بنود تلك الاتفاقية على اعتبار انها مجحفة بالنسبة للمغرب ، اعتمادا على ما تجمع لدي من معطيات استقيتها من الذين يمارسون مهنة الصيد .

لكنني لم اكن على اطلاع بكل المعطيات المحيطة بالظروف والاكراهات التي كان المغرب يواجهها ، وفي وقت كان ما يزال يخوض معارك مسلحة قاسية من أجل تكريس وحدته الترابية والوطنية،  ويخوض حربا فرضتها عليه الطغمة التي تعاقبت على حكم الجزائر خلال أكثر من  أربعين سنة .

ولمعرفة الوضعية التي واجهها المغرب آنذاك ، أحالني المرحوم المعطي بوعبيد الوزير الاول في الحكومة التي ابرمت اتفاقية للصيد البحري،  وكانت مع اسبانيا وقعها المرحوم بنسالم الصميلي وزير الصيد البحري، وفي مكتبه اعترف لي بان انتقاداتي صائبة وارجع ذلك الى عدم اطلاعي على الظروف التي أحاطت بإبرامها.

والواقع أنه  تحدث لي وكما  أدركت ذلك،  كوطني مخلص وأيضا كوزير حريص على مصالح البلاد وموكول أليه تدبير قطاع مهم في الاقتصاد الوطني ،  ولا أريد أن أقص ما قاله لي عن جشع المغاربة الذين امتهنوا الصيد البحري ، خصوصا في أعالي البحار وهو يتأسف لتنكرهم لمصالح البلاد ، لان ما يهمني هنا هو تعاقد المغرب مع الأوروبيين بشأن الصيد البحري.

ولقد قال لي بالحرف وافتح القوسين للتأريخ : ( أنتم الصحفيون ومن زودوكم بالمعطيات التي اعتمدت عليها في نقدك لاتفاقية الصيد التي أبرمناها لم تدركوا أهمية ما قمنا به عندما أبرمنا اتفاقية الصيد مع اسبانيا ، فبإبرام هذه الاتفاقية نكون قد حررنا مياهنا في شواطئنا الإقليمية المتاخمة للمحيط الأطلسي من الاستعمار ، بعد ان كنّا قد حررنا سنة 1975 اليابسة من أرضنا في الأقاليم الصحراوية الجنوبية،  بفضل المسيرة الخضراء المظفرة) ‫، فماذا فهمت من أقوال المرحوم بنسالم الصميلي ، أو بالأحرى ماذا استنتجت من أقواله ؟ لا أعتقد أنني كنت مخطئا في استنتاجي عندما كتبت من قبل ما يلي : عندما أبرمنا مع اسبانيا اتفاقية 14 نوفمبر 1975 حررنا فقط اليابسة من تراب أقاليمنا الصحراوية .

للحديث بقية

التعليقات مغلقة.