بعد مرور أزيد من 20 سنة على اعتماد الكوطا النسائية.. هل لا تزال الحاجة قائمة لتمييز إيجابي لفائدة النساء في الانتخابات ؟

بقلم.. خديجة الطاهري /ومع/: بعد مرور حوالي عقدين من الزمن على اعتماد مبدأ التمييز الانتخابي لفائدة النساء، الذي تم إقراره في سنة 2002، يتبين أن هذه الآلية استطاعت فرض ضمان تمثيلية عددية للنساء في المؤسسات المنتخبة بقوة القانون، لكنها لم تنجح على ما يبدو في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في خلق قيادات نسائية بارزة قادرة على التدافع السياسي ومنافسة الرجال دون الحاجة لبوابات استثنائية للولوج إلى مراكز القرار والهيئات المنتخبة، وهو ما يدفع لطرح للتساؤل حول مدى نجاعة هذه الآلية التي يعتبرها كثيرون “ريعا سياسيا” لا بد منه ؟

هل لا تزال الحاجة قائمة للتمييز الإيجابي لفائدة النساء في المجال السياسي ؟ هذا التساؤل يجد مشروعيته بالنظر للمسار الذي يتخذه التفعيل التشريعي والواقعي لما نص عليه دستور 2011 من تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وما أكد عليه من سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الجنسين، فضلا عن إحالته على القانون لسن مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج المهام الانتخابية.

ويمكن القول إن تجربة العشرين سنة الأخيرة من الانتخابات في المغرب أبانت على أن ذلك الحاجز الذي ظل يفصل المرأة عن إمكانية الحصول على أصوات الناخبين في الدوائر الانتخابية المحلية قد تكسر في أكثر من حالة، وأن هناك نساء أثبتن قدرتهن على خوض غمار المنافسة المباشرة مع الرجال في ما كان يعتبر في وقت ما مجالا ذكوريا .

صحيح أن نظام اللائحة الوطنية سمح بضمان تمثيلية نسائية عددية مهمة على مستوى البرلمان، لكن العديد من الأصوات تعتبر آلية “الكوطا” منافية من حيث المبدأ للديمقراطية التي تقتضي التنافس الحر الشريف وأيضا المساواة القانونية.

وفي هذا الإطار، أشارت أستاذة العلوم السياسية بجامعة ابن زهر بأكادير، إكرام عدنني، في حوار لمجلة “BAB”، التي تصدرها وكالة المغرب العربي للأنباء شهريا، أن آلية “الكوطا” تتعارض مع مبدأ المساواة المنصوص عليها دستوريا، بحيث أنها تعطي امتيازات لفئة معينة داخل المجتمع لا تخضع لشروط التنافس الحر والقانوني، مستطردة بالقول “لكن أساس تقنية الكوطا يوجد في مبدأ العدالة والذي من المفترض أنه يساعد الفئات المقصية داخل المجتمع على تحسين تواجدها من جهة وتغيير الصورة النمطية عنها من جهة أخرى”.

كما أن آلية التمييز الايجابي، وفق الباحثة، تجد مشروعيتها في كونها تدبير مؤقت لا يستمر بصفة دائمة ولا يشكل قاعدة بل استثناء محمودا من أجل غاية مفيدة لفئة معينة ستنعكس إيجابا على المجتمع ككل.

وبالفعل تجب الإشارة إلى أن الأصل في إجراء التمييز الإيجابي، أو الكوطا كما يطلق عليها اختصارا، هو أنها ذات طابع مؤقت، ووجدت من أجل تأهيل المرأة نحو فرض نفسها في ساحة التدافع السياسي والانتخابي، ومن أجل تعزيز مكانتها في إطارات التنخيب والترقي السياسي، وليس لكي تصبح حالة دائمة تفرض نفسها في كل استحقاق انتخابي، وهذا ما حرص القضاء الدستوري المغربي نفسه، أن يذكر به في أحد قراراته استحضارا “للمبادئ الأساسية الثابتة التي يرتكز عليها الدستور في مجال ممارسة الحقوق السياسية، والمتمثلة بالخصوص في المواطنة وحرية الانتخاب والترشيح من خلال اقتراع عام قائم على أساس نفس القواعد والشروط، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز”.

واعتبر القضاء الدستوري في قراره رقم 817/ 2011، الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 2011 المتعلق بمراقبة دستورية القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء مجلس النواب، أن هذه المبادئ “لا تسمح بإضفاء صبغة الديمومة على تدابير قانونية استثنائية تمليها دواع مرحلية ومؤقتة ترمي بالأساس إلى الارتقاء بتمثيلية فئات معينة، وتمكينها من التمرس بالحياة البرلمانية قصد إنماء قدراتها على الانخراط بنجاح في النظام الانتخابي العام “.

كما أن هذا الإجراء لم يعد متبعا في الكثير من بلدان العالم، حيث حسمت العديد من الدول الديمقراطية أمرها في اتجاه تجاوز نظام الكوطا وتمكنت من ضمان تمثيلية كبيرة للنساء في المؤسسات المنتخبة، دون أن يتم ذلك من خلال آليات التمييز الإيجابي، وإنما من خلال إرادة السياسية على مختلف المستويات وبالخصوص في صفوف الأحزاب السياسية.

حجم الطلب على المترشحات يفوق قدرة الأحزاب التأطيرية

في المغرب، يبدو أن التمييز الايجابي الذي اعتمد في بدايته كتدبير استثنائي مؤقت في طريقه ليصبح آلية دائمة، هناك من يذهب إلى القول بأنها ساهمت في إفراز نتائج عكسية. بعبارة أخرى، واقع الحال يظهر أن هذه الآلية لم تنجح في خلق نخبة نسائية سياسية متمرسة، بقدر ما أفرزت أعدادا نسائية فقط تؤثث في أغلبها المشهد السياسي والحزبي وتختفي بانتهاء فترة انتدابها الانتخابي، مما يطرح التساؤل حول مدى مساهمة هذا التدبير الاستثنائي في خلق مشاركة سياسية حقيقية للنساء سواء في العملية السياسية أو في مراكز صنع القرار؟

في هذا السياق، اعتبرت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين، وهي تتحدث لمجلة (BAB) ، أن آلية التمييز الإيجابي كانت ضرورية، ولكن بالرجوع إلى البنية المغربية، فالشكل الذي تدبر به الآن يحول دون خلق نخبة نسائية حقيقة قادرة على التنافس المباشر على المستوى المحلي، وهذا مرتبط بتأطير الأحزاب السياسية للنساء ، حيث بات حجم الطلب عليهن للترشح أكبر من قدرة هذه الأحزاب التأطيرية .

وتابعت الفاعلة السياسية، التي ولجت مجلس النواب من باب آلية التمييز الايجابي في فترة انتدابها الأولى، ثم اللائحة المحلية في فترة انتدابية ثانية، بالقول إن”نظام الكوطا يمنع المرور أكثر من مرة في نفس النظام، لذلك فالنساء يختفين عن المشهد السياسي حال انتهاء مدة انتدابهن، مما يفرض على الأحزاب البحث عن وجوه جديدة كل 5 سنوات وهو زمن سياسي قصير، لذلك فهذه الآلية تضمن حضور النساء على المستوى العددي”.

لكن في المقابل، تضيف المتحدثة، هذه الآلية حاليا لا تساعد بتاتا، على مستوى الأداء النوعي، على بروز نخبة سياسية نسائية حاملة لرهانات ديمقراطية وقادرة على الدفاع عنها باستقلالية وضمان مزيد من استقلالية المؤسسات ونجاعتها وأدائها لأدوارها الديمقرطية والتنموية. وأبرز مثال على ذلك، وفق النائبة البرلمانية، أن هناك نساء بالكاد يتعلمن أبجديات السياسة في مدخل البرلمان، بمعنى آخر، فنظام التمييز الإيجابي ساهم في ولوج نساء إلى البرلمان لم تكن لهن بتاتا علاقة مع العمل السياسي الحزبي ما قبل البرلمان، وهو منطق مقلوب له تأثير سلبي على نوعية حضور النساء في المشهد السياسي والانتخابي بشكل عام.

حتى لا تكرس ” الكوطا” حاجة النساء لكفيل سياسي

ولعل الوقوف عند المسار الذي يتخذه في الوقت الحاضر تدبير هذه الآلية من قبل الفاعل السياسي والحزبي، يظهر أن هذا التدبير القائم على لجوء النساء إلى الاحتماء بالقيادي الحزبي أو ما يمكن أن يصطلح عليه بـ”الكفالة السياسية” وغياب التأطير الحزبي واستمرار تحكم البنية الذكورية داخل هذه الأحزاب، حال دون خلق نخبة سياسية وقيادات نسائية قادرة على التدافع السياسي دون مظلة التمييز الإيجابي .

في هذا الإطار أكدت الباحثة عدنني على أن نظام التمييز الإيجابي جاء ليصحح خللا قائما داخل المجتمع ، الذي من المؤكد أنه إذا استمر دون أن يصل الى النتائج المرجوة من اعتماده سينحرف عن الهدف الصحيح، وسيؤدي إلى إفراز نتائج عكسية، لافتة إلى أنه لا يمكن الجزم بفشل تقنية “الكوطا” أو اعتبار أنه حان الوقت لتجاوزها اليوم تحديدا خاصة في ظل وجود ” إفلاس حزبي حقيقي “، لكن ينبغي في المقابل، أخذ مسألة التمكين السياسي بجدية أكبر، خاصة في صفوف الأحزاب السياسية وعدم اعتبار المرأة مجرد صوت انتخابي يتم اللجوء اليه في فترة الانتخابات فقط.

كما يتعين، وفق الأكاديمية، أن تستغل النساء والأحزاب تقنية “الكوطا” من أجل تصحيح الصورة النمطية عن الأداء السياسي للنساء، وهو أمر نجحت فيه فئة أو نخبة نسائية اليوم، إذ نجد أسماء برزت على الساحة السياسية بعد أن مرت من تجربة الكوطا.

وأضافت أنه مع “تكرار تجربة الكوطا في الاستحقاقات الانتخابية السابقة تعالت بعض الاصوات المنتقدة لنظام اللائحة واعتبرت أنها أصبحت بمثابة مجال للإتكالية السياسية وأيضا مجالا لانتعاش الزبونية داخل التنظيمات الحزبية، وهنا لابد من التذكير بأن الاحزاب السياسية لا تلتزم بوضع مساطر واضحة ودقيقة في اختيارها لممثلاتها في اللائحة الوطنية، بل إن الاختيار يخضع للإرادة المطلقة للرؤساء والقريبين من مراكز القرار بعيدا عن كل ديمقراطية داخلية للحزب وفي إطار هشاشة تنظيمية واضحة “.

من جهتها، أقرت النائبة ماء العينين بوجود جانبين من المسؤولية، من بينها مسؤولية الأحزاب السياسية التي تطغى عليها بنية ذكورية متحكمة كما هي موجودة في المجتمع، تحول دون وصول النساء إلى مواقع القرار خاصة النساء اللواتي تتمتعن بنوع من الاستقلالية وقدرات قيادية.

وسجلت “أن مواقع القرار في الاحزاب السياسية لازالت ذكورية حتى لو حضرت النساء على المستوى العددي، حيث يتم تغييبهن داخل البنية الصلبة لاتخاذ القرار الحزبي إلى حد كبير، مما يطرح سؤال القيادات السياسية النسائية التي تعد قليلة ، إذ أن أغلب القرارات الكبرى ذات البعد السياسي يتم اتخاذها في بنية ضيقة صلبة تسمى مربع القرار العميق وكلها رجالية، وحتى أن حضرت النساء فهن تحضرن بطريقة محتشمة وتأثيثية لضمان تمثيلية المرأة على المستوى الشكلي”.

في المقابل، تقول الفاعلة السياسية، “هناك المسؤولية الذاتية المرتبطة بالسلوك السياسي للنساء داخل الأحزاب السياسية ، حيث يلاحظ نقص كبير في القيادات النسائية ونقص في استقلالية النساء داخل هذه الأحزاب، حيث تحاول المرأة، من أجل تطوير مسارها السياسي، البحث عن كنف الرجل أو الكفيل السياسي، فهي لا تبحث في العموم عن رسم مسارها باستقلالية لأنها تعرف صعوبة ذلك، وبالتالي الأقرب لها في هذه الحالة الاحتماء برجل يمتلك سلطة ونفوذا ومشروعية وتاريخا أكبر داخل الحزب، وعادة ما يتم تصنيف النساء بالتابعات لهذا القيادي باعتباره يمارس الكفالة السياسية بالنسبة لهن “.

حدث/الصورة من الارشيف

التعليقات مغلقة.