سنة (2014 ) في مملكة البحرين: “سنة تدشين مرحلة جديدة من حياتها البرلمانية الحديثة”

المنامة :  بتنظيمها لجولتين من انتخابات برلمانية شهدت الأوساط العربية والدولية بشفافيتها ونزاهتها، تلج مملكة البحرين مرحلة جديدة من حياتها البرلمانية الحديثة التي انطلقت عام 2002 تطبيقا للخط الإصلاحي الذي انتهجه عاهل البلاد، الملك حمد بن عيسى آل خليفة.

وأنجز هذا الاستحقاق، الذي أعلن عن نتائجه النهائية، في 29 نونبر الفائت، والذي قاطعته الجمعيات المعارضة، بزعامة (جمعية الوفاق الإسلامية) الشيعية، بعد إعلان الدولة عن تنفيذ ما تم التوصل إليه من قواسم مشتركة في المحور السياسي من حوار التوافق الوطني عبر القنوات الدستورية، تهم محاور الدوائر الانتخابية، والسلطة التشريعية، وتشكيل الحكومة، والسلطة القضائية، والأمن للجميع.

وتتمثل هذه القواسم المشتركة في اعتماد دوائر انتخابية أكثر توازنا وتمثيلا، وتعزيز استقلالية اللجنة العليا للانتخابات، وتعيين أعضاء مجلس الشورى بإجراءات وضوابط تحدد بأمر ملكي، وضمانات لعدم تعطيل العملية التشريعية من حيث الإرادة التشريعية أو الفترة، وإمكانية توجيه السؤال لرئيس الوزراء ونوابه ومساءلة من يحمل حقيبة وزارية.

وبموجب هذه التوافقات، يكلف الملك رئيس وزراء بتشكيل الحكومة بعد مشاورات حول الوزارات غير السيادية، ويعرض رئيس الوزراء برنامج الحكومة والتشكيل على النواب لنيل الثقة، ويشترط لموافقة أغلبية النواب على هذا البرنامج لنيل الثقة للحكومة تقديم برنامجها للمجلس بعد التعديل، ويحل مجلس النواب في حال رفضه ثلاث مرات.

وبالنسبة للقضاء، تم التوافق على الاستعانة بخبرات دولية لتطوير السلطة القضائية وتعزيز استقلاليتها، فيما يتمثل محور “الأمن للجميع” في احترام الجميع للقوانين السارية ونبذ العنف والوقوف ضد الإرهاب والتخريب، واعتبار الامتناع عن العمل بالسياسة والانضباط أهم شروط الالتحاق بالمؤسسات العسكرية.

واعتبرت الحكومة أن الناخبين بمشاركتهم المكثفة في هذا الاستحقاق، التي بلغت نسبة 6ر52 في المائة، “شكلوا بإرادتهم الحرة بوصلة العملية السياسية الذي سيقوم البرلمان بتحديدها في السنوات الأربع المقبلة، وأثبتوا أن هناك إرادة للإصلاح والبناء تقوم عبر المشاركة والحضور الفاعل”، مبرزة أن نتيجة الانتخابات أكدت أن “شعب مملكة البحرين حسم خياراته”.

وشددت الحكومة، قبل وبعد الانتخابات، على أن الحوار سيكون داخل البرلمان وليس خارجه، مؤكدة الحرص على أن “يكون لكل مواطن من يمثله داخل البرلمان، وليس في الشارع”، والتزام مملكة البحرين بجميع المواثيق الدولية، وأن يمارس كل مواطن حقه في التجمهر طبقا للإجراءات القانونية وحفظا لحقوق الآخرين.

ويبدو هذا الموقف حاسما في تدبير طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، ردا على المعارضة التي ظلت تعتمد، منذ مطلع سنة 2011، تحريك الشارع من خلال مسيرات ومظاهرات كوسيلة للضغط، مع ما تشهده العديد من المناطق من تصعيد في وتيرة أعمال العنف، في وقت أقرت فيه السلطة قوانين وإجراءات يمكن اعتمادها في أي وقت لمنع أي تجمع تعتبره مخالفا للقانون، حتى خارج المنامة.

وجاءت تشكيلة مجلس النواب الذي شهدت انتخاباته منافسة قوية بين المستقلين والجمعيات السياسية والنساء، بحلة جديدة إذ فاز بمقاعده ثلاثون وجها برلمانيا جديدا من مجموع المقاعد الأربعين، مما يعكس اكتساحا كبيرا للمستقلين وخسارة أغلب مرشحي الجمعيات السياسية، في أكبر هزيمة سياسية تتعرض لها منذ سنة 2002، إذ لم تنجح سوى في إيصال أربعة نواب فقط للمجلس، اثنان من جمعية “الأصالة”، ومرشح واحد من “المنبر الإسلامي”، وآخر من جمعية الرابطة”.

كما مني “ائتلاف الفاتح” المكون من سبع جمعيات بخسارة كبيرة، إذ لم يفلح في إيصال سوى مرشح واحد فقط من أصل 17 مرشحا كان قد أعلن عنهم ضمن قائمته الانتخابية الموحدة، فيما نجح عشر نواب سابقين في الوصول مجددا إلى مقاعد مجلس النواب، وفازت ثلاث نساء من أصل 23 امرأة كن قد خضن غمار المنافسة، ونجحت ست منهن فقط في تخطي الجولة الأولى.

وعلى المنوال ذاته، أفرزت الانتخابات البلدية المنظمة بموازاة مع الانتخابات النيابية، تشكيلة جديدة للمجالس البلدية، سجلت حضور ثلاث سيدات، وسط هيمنة بارزة للمستقلين بوجود 25 عضوا جديدا من أصل ثلاثين عضوا للمجالس البلدية الثلاثة.

وسيعمل النواب الجدد الفائزون في الانتخابات، حسب ما أعلنته سميرة رجب، وزيرة الدولة في شؤون الإعلام الناطقة الرسمية باسم الحكومة، التي غادرت التشكيلة الوزارية الجديدة، على “تشكيل تكتلاتهم داخل المجلس النيابي، وتشكيل المعارضة داخل مشروع الإصلاح الديمقراطي”، مشددة على أن الحوار بين الحكومة والمعارضة التي قاطعت الانتخابات “سيكون تحت قبة البرلمان فقط، ومع ممثلي الشعب كافة، كونهم المعنيون بتحقيق مطالب الشعب البحريني”.

وجددت رجب، في تصريحات صحفية، رفض الحكومة التصنيفات الطائفية بشأن الفوز بمقاعد مجلس النواب الجديد، بقولها “نحن أبناء البحرين، لدينا الحقوق والواجبات والكفاءة نفسها، ونتعامل وفقا لتكافؤ الفرص والشارع البحريني انتخب ممثليه، ونحن ضد التصنيفات الطائفية ونرفض المحاصصة”، مبرزة أن البحرين للجميع، وكلنا رجاء أن يحترم الجميع التجانس والوحدة في البلاد، كما كنا عبر التاريخ”.

وعزا محللون اختيار البحرينيين تغيير نسبة 75 في المائة من نوابهم في الانتخابات الأخيرة، إلى إصرارهم على الخيار الديمقراطي الذي بدأ منذ المصادقة على ميثاق العمل الوطني، ورغبتهم في إنهاء احتكار القوى السياسية للمجلس النيابي، وفي أن يعكس المجلس مختلف المكونات في المجتمع، ووجود قناعة عامة بأن القوى السياسية وصراعاتها تفتح المجال أمام التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للبلاد، وبأن تغيير الأوضاع الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية يبدأ من تغيير ممثلي الشعب.

وبالمقابل، ترى أوساط المعارضة أن البرلمان المقبل دخله 30 نائبا جديدا ليس لأغلبهم أية اهتمامات سياسية، ولم تكن لديهم أية برامج سياسية، ولعبت العوامل العائلية والقبلية في إيصال كثيرين منهم لمقعد البرلمان، في “ظل إحجام عن التصويت في مناطق المعارضة”، معتبرة “ألا جديد سياسيا في البرلمان الجديد رغم كثرة النواب الجدد، ولا ينتظر الكثيرون الكثير منه”.
ولدى ترؤسه افتتاح دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الرابع، يوم الأحد 14 دجنبر، دعا عاهل البحرين إلى إعطاء الأولوية للتنمية المستدامة، مشددا على ضرورة “العمل الجاد لتحقيق طموحاتنا في تطوير جميع القطاعات التي تخدم المواطن”.

واعتبر الملك حمد في خطاب ألقاه أمام البرلمان، أن الدفع باقتصاد مملكة البحرين إلى مزيد من التقدم والنماء يسهم في جعل اقتصادها أكثر ثباتا وبقاء وقدرة على مواجهة آثار الأزمات الاقتصادية التي يمر بها العالم.

وموازاة مع ذلك، تم مؤخرا بموجب مرسوم ملكي تشكيل فريق وزاري جديد برئاسة الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، وتعيين الأمير سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد، نائبا أول لرئيس مجلس الوزراء، إضافة إلى أربعة نواب آخرين.

وتضم التشكيلة الحكومية الجديدة 17 وزيرا بينهم أربعة جدد، مع خروج عشرة أسماء قديمة، إضافة إلى تعديل اسم وزارة الدولة للكهرباء والماء إلى “الطاقة”، ودمج كل من وزارتي “الأشغال والبلديات” و”الموصلات والاتصالات”، فيما غابت وزارتا “الثقافة” و”حقوق الإنسان” ولم يرد أي مصطلح لوزارة الدولة.

عن: و.م.ع (المراسل الدائم بالمنامة، أحمد الطاهري)

التعليقات مغلقة.