الدين والسياسة و”شارلي إيبدو”

العالم الإسلامي غاضب من أسبوعية فرنسية تافهة نجحت في استفزاز ملايين المسلمين، وأخرجتهم إلى الساحات للتظاهر والاحتجاج ضد السخرية والاستهزاء بالأنبياء، وعلى رأسهم رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام..خرج المسلمون في العالم العربي، وفي أوربا، وفي باكستان والشيشان وتركيا وأفغانستان، وفي غيرها من بلاد المعمور..

وبعدما كان عدد النسخ، التي توزعها أسبوعية “شارلي إيبدو” لا يتجاوز 60 ألف نسخة، وكانت على حافة الإفلاس، سحبت من المطبعة 7 ملايين نسخة بعد الفعل الإرهابي الغبي الذي قام به مواطنان فرنسيان مسلمان من أصول مغاربية..

الجريمة التي أقدم عليها شابان فرنسيان بقتل اثني عشر صحافيا داخل قاعة تحرير الجريدة الساخرة بدم بارد، هي جريمة مدانة بكل المقاييس، ولا شيء يبرر القتل ضد المدنيين، ولو كان أسلوب تحرير الجريدة استفزازيا لمشاعر ملايين المسلمين. القتل مدان.. وكفى.

من الأخطاء التي يرتكبها الكثير من المسلمين التعاطي مع مثل هذه الأحداث، هو الركون إلى تفسير الأسباب المؤدية إلى القتل، وبين التفسير والتبرير نسقط في الكثير من المتاهات التي نحن في غنى عنها.

نحن معنيون باستنكار هذه الجريمة لأن من بيننا من يحاول تبرير الجريمة، أو يشكك في صحتها، أو يطرح التساؤلات حول بواعثها، وحول توقيتها وهلم جرا من الأسئلة “الوجودية” التي لا تنتهي.

جريمة القتل وقعت.. وهي مدانة بجميع اللغات المفهومة: نقطة إلى السطر..

لكن، ماذا عن استغلال الطرف الآخر لجريمة القتل، وتحويلها إلى جريمة تستهدف حرية التعبير، ودعوة قادة العامل إلى التظاهر في باريس لإدانة الجريمة والدفاع عن حرية التعبير؟

هناك إرادة معلنة لاستغلال هذه الأحداث لنشر خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، واستهداف رموزهم وشعائرهم وأماكن عادتهم وحقوقهم المواطنة، وهو ما يتطلب تنبيه السلطات الفرنسية والحكومات الأوربية إلى ضرورة احترام حقوق المسلمين الأوربيين والمهاجرين، وحماية حريتهم في ممارسة معتقداتهم الدينية، وعدم الانسياق وراء بعض الخطابات المتطرفة وغير المسلمين.

هناك حاجة إلى فتح نقاش معمق حول حرية التعبير، التي كلفتها جميع الإعلانات والعهود والمواثيق الدولية، وحول حدودها في علاقتها بالأديان والأنبياء..

من المؤكد أن الإصرار على نشر بعض الرسومات المسيئة للأنبياء، رغم تخلفه من مشاعر الغضب لدى المسلمين، يستبطن احتقارا واضحا للمعتقدات والرموز الدينية، ويستهدف الإساءة إلى الأديان السماوية وإلى الأنبياء، ولا علاقة لها بنقد الأديان، الذي يندرج في إطار حرية التفكير والتعبير، إلا من زاوية الاستفزاز والإساءة..

من جهة أخرى، لا بد من التفكير المعمق في استئصال جذور الإرهاب، وفي الأسباب العميقة المغذية له، وعدم الاستسلام للمقاربة الأمنية وحدها في معالجة الظاهرة، وهو ما يستدعي العمل على مقاربة شمولية تستهدف تطوير مصادر التأطير الديني في أوربا، وتطوير الخطاب الإسلامي مع ضرورة الانتباه إلى الاختلالات الجارية في السياسات العالمية، وخاصة في المنطقة العربية والإسلامية، وما تخلفه من مخزون عارم للغضب في نفوس المسلمين، وخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وفشل مشاريع التحرر والديمقراطية في العالم العربي..

الموضوع أعقد مما نتصور… فلننتبه.

عن: “اخبار اليوم”

 

التعليقات مغلقة.