حافظ الاقتصاد الإسباني خلال سنة 2017 على إيقاع نموه المرتفع الذي يظل من بين أكبر المعدلات التي حققتها الاقتصاديات في أوربا الغربية مما مكنه من استعادة عافيته وانتعاشته والعودة بالتالي إلى نسبة النمو التي كان يحققها قبل الأزمة الاقتصادية والمالية لسنة 2008 وذلك رغم تداعيات الأزمة الكاتلانية التي اندلعت في الشهور الأخيرة من هذه السنة .
وحسب توقعات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فمن المتوقع أن تصل نسبة نمو الناتج الداخلي الإجمالي في إسبانيا مع نهاية سنة 2017 إلى 1 ر 3 في المائة وهو ما دفع هذه المنظمة إلى الإشادة بالنمو الاقتصادي الإسباني ” القوي والمتوازن ” الذي عرف على مدى السنوات الثلاث الأخيرة استقرارا في مستويات النمو تجاوزت 3 في المائة .
ومن جهتها تتوقع الحكومة الإسبانية أن سنة 2017 ستنتهي لا محالة بتحقيق معدل نمو يقدر ب 1 ر 3 في المائة وهو ما يؤكد أن الاقتصاد الإسباني سيشهد لسنته الرابعة على التوالي نموا إيجابيا بعد فترة ركود انطلقت منذ سنة 2008 .
ويقول المعهد الوطني للإحصاء إنه رغم الانخفاض المسجل على مستوى نسبة النمو خلال الشطر الثالث من السنة الجارية والتي لم تتجاوز 8 ر 0 في المائة مقابل 9 ر 0 في المائة خلال الشطر الثاني فإن المعدل السنوي لنسبة النمو حافظ على استقراره في نسبة 1 ر 3 في المائة مشيرا إلى أن الاقتصاد الإسباني يكون بهذا الإنجاز قد واصل تحقيق نتائج جد إيجابية وحافظ طيلة السنتين الأخيرتين على نسبة نمو تفوق 3 في المائة .
وتكشف هذه الإنجازات التي حققتها نسبة النمو في إسبانيا والتي جاءت متوافقة مع توقعات الحكومة الإسبانية أن الاقتصاد الإسباني لم يتأثر بشدة بتداعيات الأزمة الكاتلانية التي نتجت عن اضطرابات مسلسل الاستقلال بهذه المنطقة التي تقع شمال شرق إسبانيا .
ويرى المراقبون أن تأثيرات الأزمة الكاتلانية على الاقتصاد الإسباني التي لن تظهر تجلياتها إلا مع الشطر الرابع من السنة الجارية ستظل محدودة في الوقت الراهن ولن تمس إلا مكونات الاقتصاد الكاتلاني التي توقعت إحدى الهيئات المتخصصة في مؤشرات الاقتصاد الإسباني ( آيريف ) أن يحقق نسبة نمو لا تتجاوز 5 ر 0 في المائة خلال الشطر الأخير من السنة الجارية أي أقل بثلاثة أعشار مما سيحققه الاقتصاد الإسباني ككل .
وأكدت نفس الهيئة أن استمرار عدم الاستقرار أو ” عدم اليقين ” في كتالونيا على الأقل حتى الانتخابات الجهوية المبكرة المقررة يوم 21 دجنبر الجاري بمنطقة كتالونيا يجعل من الصعب وضع تقييم موضوعي للتوقعات الماكرو اقتصادية بإسبانيا .
وفي تحليله لهذا الوضع قال فيتور كونستانسيو نائب رئيس البنك المركزي الأوربي إن قرار مجموعة من المقاولات والبنوك الكبرى والشركات العاملة بمنطقة كتالونيا نقل مقراتها الاجتماعية إلى خارج المنطقة ” قد ساعد على التهدئة “.
وبالفعل فقد تسببت الأزمة الكاتلانية في إعلان أزيد من 2800 مقاولة وشركة عن نقل مقراتها الاجتماعية خارج كتالونيا نحو مناطق وأقاليم أخرى في إسبانيا وذلك منذ الفاتح من أكتوبر الماضي وهو نفس اليوم الذي جرى فيه تنظيم الاستفتاء ” غير الشرعي وغير الدستوري ” حول استقلال الإقليم الذي دعت إليه الحكومة المحلية لكتالونيا برئاسة كارليس بيغدومنت والتي تمت إقالتها نهاية نفس الشهر من طرف الحكومة المركزية الإسبانية في إطار تفعيل الفصل 155 من الدستور الإسباني .
ورغم هذه المشاكل فإن إسبانيا واصلت تحقيق نتائج جد إيجابية على الصعيد الاقتصادي لتتفوق بذلك على معظم بلدان منطقة الأورو حيث بلغت نسبة نمو اقتصادها مستويات مماثلة لما كان عليه الوضع قبل الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 .
لكن رغم كل هذا فإن تداعيات هذه الأزمة الاقتصادية والمالية هي البطالة التي وإن كانت مؤشراتها قد انخفضت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة فإن نسبتها لا تزال مرتفعة حيث تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أنها ستصل إلى 2 ر 17 في المائة مع نهاية السنة الجارية وهي النسبة التي من المفترض حسب توقعات المحليين وكذا المؤشرات التي يحققها الاقتصاد الإسباني أن تنخفض إلى 5 ر 15 في المائة ثم 14 في المائة خلال السنتين القادمتين .
وترى هذه المنظمة الدولية أن تحسين نسبة النمو والرفع من مستوى إنتاجية الاقتصاد الإسباني يظل رهينا باعتماد إصلاحات هيكلية إضافية تروم تنمية وتطوير الاستثمار خاصة في مجالات الابتكار مع الرفع من مستوى كفاءات وخبرات اليد العاملة .
واعتمادا على كل هذه المؤشرات فإن إسبانيا ستواصل هذا الزخم الذي يشهده نموها الاقتصادي وذلك عبر مواصلة عمليات الإصلاح رغم الظرفية السياسية الصعبة التي تمر منها والمتمثلة بالخصوص في حكومة مركزية لا تتمتع بأغلبية مطلقة في مجلس النواب (الغرفة السفلى للبرلمان) وهو الوضع الذي أدى إلى تأخير اعتماد ميزانية الدولة لسنة 2018 .
ومما لا شكل فيه أن النتائج الإيجابية التي حققها الاقتصاد الإسباني كانت ثمرة لعدة عوامل من أبرزها قوة وارتفاع الطلب الداخلي والدينامية التي عرفها قطاع الصادرات التي ارتفعت بنسبة 1 ر 9 في المائة خلال التسعة أشهر الأولى من السنة الجارية مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2016 لتصل إلى 5 ر 205 مليار أورو وهو رقم قياسي تاريخي يتم تسجيله لأول مرة خلال هذه الفترة بالإضافة إلى النتائج الإيجابية والمبهرة التي حققها القطاع السياحي .
وأكد وزير الاقتصاد والصناعة والتنافسية أن معدل تغطية الصادرات بلغ نسبة 7 ر 91 في المائة أي ” ثالث أفضل أداء في تاريخ إسبانيا في هذا المجال ” مشيرا إلى أن معدل نمو الصادرات الإسبانية يظل أعلى من المعدل الذي تعرفه منطقة الأورو ( 4 ر 7 في المائة ) وكذا الاتحاد الأوروبي ( 4 ر 7 في المائة).
كما أن القطاع السياحي كان من بين الركائز الأخرى التي ساهمت في انتعاشة كبيرة للاقتصاد الإسباني حيث واصل القطاع تحطيم الأرقام القياسية خلال سنة 2017 حين تم تسجيل وصول 1 ر 66 مليون سائح أجنبي إلى إسبانيا خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية أي بزيادة بلغت نسبتها 1 ر 10 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2016 كما أن إسبانيا استقبلت خلال فصل الصيف لوحده ما مجموعه 2 ر 38 مليون سائح أجنبي حسب الأرقام والبيانات التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء .
ويبقى التحدي الكبير الذي تواجهه إسبانيا الآن هو مواصلة السير على طريق النمو الاقتصادي حتى مع إعلان المراقبين والمحللين عن تباطؤ نسبة النمو خلال السنة المقبلة .
ح/م



التعليقات مغلقة.