2017 بالجزائر: سنة انتخابات “فاشلة” و”مشكوك” في نزاهتها!

تميزت سنة 2017 بالجزائر، بإجراء استحقاقين انتخابيين، هما تشريعيات ماي الماضي والاقتراع المحلي ليوم 23 نونبر الأخير، وأقل ما يمكن أن يقال عنها إنهما كانا “فاشلين” و”مشكوك” في نزاهتهما، ولم يحملا في نهاية المطاف التغيير المنشود، حيث أثبت النظام خلالهما عجزه عن تجديد نخبه.
وعلى غرار الانتخابات السابقة، لم تخرج تلك التي نظمت هذه السنة عن القاعدة ولم تغيرا في شيء المعطى السياسي المتمثل في “التزوير” ولازمته الفساد”، إلى الحد الذي ذهب فيه البعض إلى وصفهما ب”المهزلة” الانتخابية، في حين قال آخرون إنهم لم يعودوا ينتظرون شيئا من طبقة حاكمة غالبة ما تكون فاسدة، ويكتنف نمط اشتغالها الكثير من الغموض.
وعلى الرغم من الحملة الوطنية القوية للحد من العزوف، والتي هلل لها النظام، فإن الجزائريين رفضوا المشاركة في انتخابات غالبا ما توصف بأنها غير ذات جدوى ونتائجها مطبوخة سلفا. ولعل ذلك ما تجسد في ضعف نسبة المشاركة، والتي بلغت 38,25 في المائة بالنسبة للانتخابات التشريعية، و46,93 في المائة في الانتخابات البلدية، و44,96 في المائة في انتخابات مجالس الولايات.
وبغض النظر عن الامتناع السلبي عن التصويت، بفعل اللامبالاة، فإن الشباب نادوا أيضا، خلال هذه الاستحقاقات، بامتناع إيجابي، كما يشهد على ذلك العدد المرتفع من الأوراق البيضاء والأصوات الملغاة، والتي كشف عنها بعض الملاحظين الذين سجلوا، كما هو الشأن بالنسبة لجميع الجزائريين، أن بعض أحزاب المعارضة التي تناضل من أجل الديمقراطية منذ عقود تم تحجيمها “بمعجزة صناديق الاقتراع”، بينما تم الدفع بأحزاب ولدت من رحم النظام إلى واجهة المشهد السياسي.
ولوحظ عقب إجراء هذه الانتخابات أن الائتلاف الحاكم، وهو تحالف بين جبهة التحرير الوطني للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه الوزير الأول، أحمد أويحيى، ما زال يحافظ على الأغلبية المطلقة من مقاعد المجلس الشعبي الوطني، وهي الحالة التي تحمل في طياتها العديد من الدلالات على التعتيم و”الممارسات السيئة” للنظام، كما تدل على ذلك الطعون التي تقدمت بها كافة التشكيلات السياسية التي شاركت في الانتخابات، بما فيها الحزبان الحاكمان، جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وهو ما فاجأ الجميع.
ويرى الكثيرون أن تقديم هذين الحزبين، المعروفين بقربهما من النظام، طعونا في نتائج الانتخابات، لا يهدف سوى إلى استباق ردود الفعل والاتهامات بالتزوير من قبل الطبقة السياسية، وخاصة المعارضة، حيث اعتبروا أنه بلجوئه إلى التنديد، ببرودة، وباستعمال نفس عبارات المعارضة، بالتزوير الانتخابي الذي دفع حزبه ثمنه، على حد تعبيره، يكون الوزير الأول قد سقط عن وعي أو عن غير وعي في جلد الذات، ذلك أنه بإقراره بوجود هذه الخروقات تطرح بشكل غير مباشر إشكالية المسؤولية السياسية للحكومة وللوزير الأول ومسؤوليته هو باعتباره يشغل هذا المنصب. وهو ما يعني أن غياب المشروعية كان صارخا إلى درجة تم معها التشكيك في مصداقية الاقتراع، ليس فقط من قبل المعارضة، وإنما أيضا من طرف رئيس الحكومة، وإن كان قد تحدث باعتباره زعيما حزبيا.
واعتبرت أغلبية التشكيلات السياسية المعارضة الجزائرية، التي تدرك تماما ممارسات ومقاصد النظام، أنه من الطبيعي أن يلجأ إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي، وخاصة “تزوير الانتخابات”، وهو ما كان قد قام به خلال الانتخابات التشريعية لماي الماضي والانتخابات المحلية، معتمدا على الزبونية من أجل ضمان بقائه على قيد الحياة.
وفي هذا الصدد، قال علي بن فليس رئيس حزب (طلائع الحرية)، “لم نكن سذجا إلى الحد الذي ننتظر فيه أن تفرش لنا الآلة السياسية-الإدارية السجاد الأحمر خلال هذه الانتخابات”، مستدلا بأن الجزائريين يدركون تماما أن هذه الانتخابات، على غرار سابقاتها “ليست ولن تكون شفافة ولا نزيهة، بما أنها ستكون مطبوعة بالتزوير الانتخابي“.
وأضاف أن الطبقة السياسية تعرف تماما أن “القوانين التنظيمية المتعلقة بنظام الانتخابات وبالهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات لم يساهما سوى في تعزيز سيطرة الآلة السياسية-الإدارية على المسلسل الانتخابي وعلى ميكانيزمات التزوير“.
وقدم قادة الأحزاب “ضحية” هذه الانتخابات، خلال ندوة صحفية، قائمة تضم جردا بالتجاوزات التي سجلت خلال اقتراع 23 نونبر، ومنها حشو الصناديق لفائدة جبهة التحرير الوطني، ورفض الإدارة تسليم المحاضر لممثلي الأحزاب، واستبدال محاضر سلمت للأحزاب بأخرى معدة مسبقا، ومنع ممثلي الأحزاب من حضور عملية فرز الأصوات ببعض المراكز، وتسليم محاضر فارغة وأخرى تحمل نتائج متناقضة، وفتح الصناديق قبل انتهاء عملية التصويت، والتصويت بدلا من الناخبين الذين فوجئوا بتوقيعات أمام أسمائهم، وكذا نتائج أعلن عنها رسميا عبر الموقع الالكتروني للولاية مناقضة لتلك التي أعلنت عنها اللجنة الانتخابية. إنها سلسلة من التظلمات التي تأكدت منها وسائل الإعلام، بفضل أدلة مادية تم تقديمها خلال الندوة الصحفية.
وكما أكد المختص في الشؤون السياسية، بن زنين بلقاسم، فالأمر يتعلق ب”فوضى انتخابية” نزعت عن النظام شرعيته، معتبرا أنه يتعين على الماسكين بزمام الحكم أن ينصتوا لرسالة هذه الانتخابات، والمتمثلة في هذه الجزائر الأخرى، الفتية والتي تشكل الأغلبية، والتي لم تعد تثق فيه.
فهذه “المهزلة الانتخابية” تسائل، بحسب العديد من الفاعلين السياسيين ومن المجتمع المدني، وكذا الملاحظين، كل ما تزخر به الجزائر من سياسيين ومفكرين الذين يدركون حجم مخاطر “السلوك الانتحاري” للنظام على الأمن والتماسك الوطني واستقرار البلاد. ففي هذا الإطار وجهت العديد من الشخصيات السياسية مثل نور الدين بوكروح وعلي يحيى عبد النور وأحمد طالب الإبراهيمي ورشيد بن يلس نداءات للجيش من أجل العمل على تشجيع تغيير سلمي بالبلاد.
فالجميع يعتبر أن المأزق السياسي بالجزائر لا يمكن إنكاره، مع مؤسسة تشريعية تم رفض الاعتراف بها يوم رابع ماي 2017 مما نزع عنها أي شرعية و تمثيلية وثقة، فضلا عن عدم استقرار الحكومة حيث تتوالى القرارات المتناقضة على الرغم من تغيير الحكومات والوزراء ومع غياب قوة مضادة وفقدان هيئات المراقبة لمصداقيتها. إنها المؤسسات الرئيسية للجمهورية التي توجد في حالة تدهور متقدمة جدا، مشكلة بذلك تهديدا لاستمرارية الدولة الوطنية.

حميد أقروط/حدث

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*