“بعد الهجوم الارهابي الغادر”: تونس الخضراء مصرة على “إرادة الحياة”

 تونس / بقلم عزيز المسيح: احتفلت تونس الخضراء بعيد استقلالها الوطني، يومين بعد الهجوم الغادر الذي استهدف قلب عاصمتها ، وكلها إصرار وعزم أكيدين على الإرادة المتجددة في الحياة ، ومواصلة مسارها الديمقراطي والتنموي ، مسلحة بوحدتها الوطنية وتلاحم مكوناتها المجتمعية وقواها الحية ، ودعم أصدقائها وأشقائها في مواجهة الارهاب والتطرف والفتنة .فبعد يومين من الهجوم الغادر الذي استهدف “متحف باردو”، رمز ذاكرتها الجماعية وموروثها الحضاري العريق ، هاهي تونس تنهض من جديد ، مستشعرة حساسية المرحلة وخطورتها وألم الضربة الإرهابية الشنيعة، ولكنها مصممة أيضا على إرادة الحياة” كما حلم بها شاعرها الأسطوري أبو القاسم الشابي، وعاقدة العزم على التصدي لطيور الظلام التي علا نعيقها في المنطقة ، مستغلة فضاء إقليميا متعثرا في بناء صرحه الديمقراطي ومساره التنموي واندماجه المغاربي.
وبنفس الإرادة التي تسلح بها التونسيون في مقاومة الاستعمار، هاهم اليوم في عيد استقلال بلادهم الذي ضحى من أجله الوطنيون الأحرار بالغالي والنفيس ، يستعيدون روح الوحدة الوطنية اقتداء بقادة التحرير الأحرار، ويواصلون مسار التحرير والتحديث والتقدم ، مدركين أن هؤلاء الارهابيين ، الذين اختاروا هذه الذكرى بما تحمله من دلالات ورمزية سامية في ذاكرة وقلوب التونسيين لتنفيذ جريمتهم الشنعاء ، هم أبعد من أن يكونوا مع الوطن وسيادته ، بل هم عدوه “الأقرب”، لذلك تسلح التونسيون في وحدة وتلاحم وطني وتوافق بين مكونات الأمة على إفشال مرامي هذه الشرذمة الظلامية المنبوذة ، والدفاع من جديد على حرية وسيادة بلدهم ، وقيمه في الحرية والاستقرار والأمن.
وقد تجسدت تلك الملحمة الوطنية بصورها الناصعة ، حينما سارع التونسيون بمختلف اتجاهاتهم وإديولوجياتهم ، وقواهم السياسية والمدنية والاجتماعية والشعبية والرسمية للتنديد بهذه الجريمة النكراء، وتنظيم العديد من الوقفات والمسيرات الاحتجاجية في مختلف المدن التونسية ،عرفت مشاركة واسعة لشخصيات تنتمي للطيف السياسي التونسي الواسع.
وكتجسيد لروح التحدي والإباء أصر منظمو عدد من المهرجانات التي تحتضنها تونس هذه الايام ، على مواصلة أنشطتها من قبيل “أيام قرطاج الموسيقية” التي أكد مديرها ، أن ” الارهابيين لن يحققوا أهدافهم ،ولن نوقف مسار الفرح حتى لا نعطيهم هدية مجانية” ، إضافة إلى فعاليات “المنتدى الاجتماعي العالميالذي من المنتظر أن يستقبل حوالي 70 الف شخص ابتداء من يوم 24 مارس الجاري.
كما أصدرت مختلف الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية التونسية بيانات منددة بهذا الهجوم الغادر، داعية الى الوحدة الوطنية والتلاحم في مواجهة هذا التوحش الذي يستهدف النموذج الديمقراطي الفتي ومسار البلاد الانتقالي، وإعاقة سيرورة التنمية، من خلال استهداف القطاع السياحي الذي يشكل عصبها الحيوي.
وشددت هذه الأحزاب السياسية على أن المرحلة ليست مرحلة صراعات جانبية وتجاذبات ، بل تقتضي أساسا توحيد الصفوف والكلمة من أجل استكمال المسار الديمقراطي الذي دشنته البلاد من خلال تصويتها على دستور ديمقراطي، وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية ذات مصداقية، وتشكيل حكومة توافقية وتسطير برامج اقتصادية، وتوجيه ضربات مؤلمة لأوكار الارهاب في المنطقة.
رسميا تجندت الدولة بمختلف مكوناتها ومؤسساتها للتصدي لآثار العدوان الاثم ، حيث شددت كلمات كل من رئيس الجمهورية والحكومة والوزراء على “شن حرب لا هوادة فيها على الارهاب”، مبرزة نفس الدلالات والمعاني الوطنية ، مصرة على عدم الركوع” للإرهاب ، بل العزم على مواجهته والقضاء عليه من خلال مواصلة سيرورة البناء الديمقراطي والتنموي وتوفير كل المستلزمات اللوجستيية لقوات الأمن والجيش.
كما أسفر الاجتماع الذي انعقد للمرة الأولى بين “المجلس الأعلى للجيوش الثلاث” و”المجلس الآعلى للأمن” امس الخميس ، تحت إشراف رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي، عن الاتفاق على “القيام بإجراءات تأمين المدن الكبرى من طرف الجيش”، ومراجعة السياسة الأمنية بالتنسيق مع المؤسسة العسكرية، وتدعيم التنسيق بين قيادات الجيش والأمن بمختلف القوات والأسلاك، ومراجعة منظومة تأمين الحدود، وتوفير الامكانيات لقوات الأمن والجيش التي تساعدهم على العمل ليلا، والقيام بإجراءات تأمين المدن الكبرى من طرف الجيش”.
على المستوى الرمزي عقدت وزيرة الثقافة التونسية لطيفة الاخضر أمس ندوة داخل مقر “متحف باردو”، حيث وقعت المجزرة ، وأكدت أن “متحف باردو” سيعيد فتح أبوابه بداية من الأسبوع المقبل، مبرزة أن هذه المؤسسة الثقافية ستحتضن في الأيام القادمة العديد من التظاهرات والفعاليات ، في إطار “المنتدى الاجتماعي العالمي”.
من جهة ثانية أفادت وزيرة السياحة والصناعات التقليدية سلمى اللومي الرقيق أنه تم إحداث “خلية اتصال” تعمل على مستوى جهوي ومركزي ، وتعنى “بمتابعة الأسواق المصدرة للسياح وتوفير المعلومة الحينية وطمأنة متعهدي الرحلات العالمية”. من جانبه أكد رئيس “الجامعة التونسية للفنادق” رضوان بن صالح أن الجامعة تعكف حاليا على وضع خطة لمجابهة هذا الوضع، من أهم ركائزها الاتصال بالأسواق إلى جانب عقد لقاءات مع أصحاب وكالات الأسفار والإعلاميين الأجانب.
على مستوى ردود الفعل الدولية، فمن واشنطن إلى الرباط توحدت العواصم في إدانة هذا الهجوم الإرهابي، مؤكدة دعمها لتونس، حيث أدانت الدول ال15 في مجلس الامن الدولي بالاجماع هذا الهجوم، كما قوبل العدوان بإدانة الأمين العام للأمم المتحدة ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي والأمين العام لحلف الشمال الأطلسي والرئيس الأمريكي ونظرائه الأروبيون . كما أدانت “جامعة الدول العربية” و”اتحاد المغرب العربي” بشدة الهجوم السافر .ودعا هذا الأخير حكومات وشعوب المنطقة إلى مزيد من التنسيق ودعم العمل المشترك فى جميع المجالات، من أجل مكافحة الارهاب والجريمة المنظمة، ومواجهة التحديات التى تعرفها على الخصوص المنطقة المغاربية، حفاظا على أمنها واستقرارها ونمائها.
على المستوى العربي توحدت البلدان العربية في الإدانة الشديدة لهذا الهجوم الغادر، في مقدمتها المملكة المغربية التي سارعت إلى التنديد الشديد بهذا العمل الإرهابي الشنيع الذي استهدف الأبرياء العزل كما جاء في بلاغ لوزارة الخارجية المغربية الذي اعتبر أن هذا الهجوم كان يريد ” النيل من النموذج الديمقراطي التونسي والمساس باقتصاد تونس عبر الإضرار بقطاع السياحة”.وجددت المملكة تضامنها ووقوفها الكامل مع الجمهورية التونسية الشقيقة ، في مساعيها الرامية إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والقضاء على ظاهرتي التطرف والإرهاب، الغريبتين عن تقاليد المجتمع التونسي المتشبع بقيم الاعتدال وثقافة السلم والتسامح
.

حدث/و.م.ع/ عن المصدر

التعليقات مغلقة.