“النص الكامل للدراسة التي قدمها المندوب السامي للتخطيط” احمد الحليمي علمي حول “قياس تقدم المجتمعات بالاستناد إلى جودة الحياة”

 قدم المندوب السامي للتخطيط احمد الحليمي ، يوم أمس بالرباط الدراسة التي أنجزت من طرف المندوبية خلال شهري يناير وفبراير 2012، حول جودة الحياة حسب تصورات المواطنين انطلاقا من واقعهم المعيش، وفي ما يلي النص الكامل لهذه الدراسة، تعميما للفائدة:

“إن قياس تقدم المجتمعات بالاستناد إلى جودة الحياة، والعيش الكريم للمواطنين، كاستكمال للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، يشكل اليوم تعبيرا عن انبثاق نموذج جديد للتنمية يضع العيش الكريم للمواطنين في صلب اهتماماته، تندرج في سياق دولي يطبعه تنامي الفوارق الاجتماعية، وبروز تحديات مجتمعية وبيئية جديدة وتصاعد الاضطرابات المجتمعية. في هذا الصدد، فإن القضايا المتعلقة بقياس التقدم الاجتماعي هي في مركز النقاش الجاري خلال السنوات الأخيرةفي أوساط الهيئات الوطنية والدولية ذات الاختصاص.

كإجابة عن هذه الانشغالات، أوصى تقرير ستيغليتز-سين-فيتوسي (2009) حول قياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، بتطوير دراسات مستقبلية تتجاوز المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، ولا سيما عبر: (أولا) بلورة قياسات جديدة لجودة الحياة؛ (ثانيا) أخذ بعد التنمية المستدامة بعين الاعتبار في قياس التقدم؛ (ثالثا) تحسين القياسات التقليدية المتداولة.

إن هذا التفكير، الذي سنحت للمندوبية السامية للتخطيط فرصة المساهمة فيه منذ أول جلسة افتتاحية في باريس سنة 2008 بمبادرة من طرف رئيس الجمهورية الفرنسية، ثم بعد ذلك في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي ومنظمة “باريس 21” ، ما فتئ يؤكد على محدودية الإحصائيات التقليدية ولاسيما الناتج الداخلي الإجمالي، في قياس تقدم المجتمعات. ويجد هذا التفكير مشروعيته في الفجوة المتنامية الملاحظة بين المؤشرات الكمية وشعور السكان إزاء الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

تطورت نتائج الأبحاث حول العيش الكريم منذ ذلك وأصبحت تشكل اليوم، بوابة لفهم أفضل لجودة الحياة كما يتصورها السكان ولمساعدة أصحاب القرار في اختيار السياسات العمومية بهدف الاستجابة لانتظارات السكان وأخذ بعد العيش الكريم بعين الاعتبار في مشاريع التنمية.

في هذا الإطار، أنجزت المندوبية السامية للتخطيط البحث الوطني حول العيش الكريم سنة 2012. وقد مكن هذا البحث من رصد الحاجيات الاجتماعية للسكان كما عبروا عنها أنفسهم وفقا لتصوراتهم الخاصة للعيش الكريم والوقوف على الشروط التي يعتبرونها محددة لتحقيقه في حياتهم اليومية. كما مكن من التوفر على ترتيب لأبعاد العيش الكريم كما حدده السكان ومن قياس مستوى رضاهم إزاء الحياة اليومية في مختلف أبعادها.

نذكر بأن البحث حول العيش الكريم قد مكن سابقا من تحديد أبعاد العيش الكريم من طرف المواطنين وكذا الترجيح الذي يولونه لها حسب تأثيرها على الحياة اليومية. وهكذا، أبرز المغاربة ثلاثة مجموعات من الأبعاد:

الحياة المادية والتي تضم المسكن الذي ورد ذكره من طرف 60٪ من المغاربة والدخل من طرف45٪ ؛

المجال الاجتماعي والذي يتضمن العمل لدى 43٪، الصحة لدى 32٪ والتعليم لدى 24٪؛

والمجال المجتمعي، المثار من طرف 29٪، ويشمل التضامن الاجتماعي، والثقة، والحياة الأسرية والأنشطة الثقافية والروحية والترفيهية.

كما كشفت نتائج هذا البحث بأن 30٪ من المغاربة قد صرحوا بكونهم راضين أو راضين جدا،   وأن 24.4٪ منهم راضون بشكل متوسط، في حين صرح ٪45.7 بأنهم راضون بشكل ضعيف   أو غير راضون.

بعض أبعاد جودة الحياة حسب تصورات المواطنين

إن شعور الفرد إزاء حياته وتصوره حيال عيشه الكريم، هو ليس فقط رهين المستوى المادي لظروف عيشه بل هو أيضا نتاج اختياراته، تجربته الشخصية، نفسيته، وكذا مستواه الثقافي ودرجة اندماجه في محيطه الاجتماعي والمؤسساتي. وهكذا سنقوم بتقديم مستوى الصعوبات والإحساسات السلبية التي يعاني منها السكان إزاء كل بعد من أبعاد الحياة اليومية، وذلك اعتمادا على مؤشرات أولية.

   وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقييم لا يدعي الشمولية، حيث أن عدد المؤشرات المعتمدة، وبالتالي نتيجة الصعوبات أوالإحساسات السلبية المتراكمة، يعتمد على درجة تفاصيل المعلومات المتاحة. هذا، وتعتزم المندوبية السامية للتخطيط إنجاز بحث حول جودة الحياة يتجاوز الدخل والمستوى المادي لظروف العيش ليحيط بالمحددات السيكولوجية، الاجتماعية والثقافية التي تفسر شعور المواطنين في حياتهم اليومية.

جودة الحياة والعيش الكريم حسب التصورات إزاء السكن

على المستوى الوطني، يظهر المؤشر التركيبي للصعوبات إزاء السكن أن ظروف السكن (جودة ومساحة المسكن، والمرافق العمومية) تسهم بنحو 64٪ من هذه الصعوبات، تليها مضايقات الجوار (26٪) و راحة المسكن (10٪).

من أصل 18 من الإحساسات السلبية الملاحظة حيال السكن، يعاني 12٪ من السكان من شعور واحد سلبي على الأكثر(6.1٪ دون أي شعور سلبي و 5.7٪ بشعور واحد) ويعاني ما يقارب 66٪ من 2 إلى 6 إحساسات سلبية، في حين يواجه 22٪ من السكان ما لا يقل عن 7 إحساسات سلبية.

وعموما، يبلغ المستوى المتوسط ​​للرضا حيال السكن 4.7 على 10، وهو ينتقل من 7.2 نقطة على 10 للأشخاص الذين لا يعانون من أي إحساس سلبي إلى 2.5 بالنسبة لأولئك الذين يراكمون على الأقل 10[1] أحاسيس سلبية.

جودة الحياة والعيش الكريم حسب التصورات في مجال الصحة

عموما، يساهم الولوج إلى الخدمات الصحية و جودتها في حدود 81٪ من الإحساسات السلبية إزاء الصحة في حين تساهم الحالة الصحية للساكنة بنسبة 19٪. ولا تختلف بنية هذا التوزيع حسب وسط الإقامة.

يعاني كل مغربي من عشرة (11٪) من 3 إحساسات على الأكثر (2.2 ٪بدون أي إحساس سلبي     و9٪ ما بين إحساس واحد و ثلاثة أحاسيس). في حين يعاني تسعة مغاربة من أصل عشرة (89٪) مما لا يقل عن أربعة إحساسات سلبية من بين الإحساسات التسعة التي تم قياسها.

على المستوى الوطني، يبلغ المستوى المتوسط للرضا إزاء الخدمات الصحية 3.4 على 10. وقد انتقل هذا المتوسط من 6,2 على 10، بالنسبة للأشخاص الذين لا يعانون من أي إحساس سلبي إلى 2,4 بالنسبة لأولئك الذين يراكمون 8 إحساسات على الأقل.

جودة الحياة والعيش الكريم حسب التصورات في مجال التعليم

تسهم جودة التعليم على المستوى الوطني في حدود 40٪ من مجموع الإحساسات السلبية إزاء التعليم. وتبلغ هذه المساهمة 33٪ بالنسبة لجودة التعليم و15.3٪ بالنسبة لجودة التجهيزات و11.8٪ بالنسبة لكفاءة المدرسين.

بشكل عام، من أصل 13 إحساسا سلبيا التي تم قياسها، فإن 8.6٪ من المواطنين يعانون من إحساس سلبي واحد على الأكثر ويعاني حوالي 76٪ من 2 إلى6 إحساسات سلبية، بينما يصرح 15,4٪ من السكان ب 7 إحساسات سلبية على الأقل.

يبلغ المستوى المتوسط للرضا إزاء التعليم 4.3 على 10. وهو يتراجع من 6,4 على 10 بالنسبة للأشخاص بدون إحساسات سلبية إلى 2,3 بالنسبة للأشخاص الذينيعانون على الأقل من 10 إحساسات سلبية من بين 13 التي تم قياسها.

جودة الحياة والعيش الكريم حسب التصورات إزاء العمل

يشكل النقص في الدخل وضعف جودة أنظمة التقاعد أهم الإحساسات السلبية في مجال العمل بمساهمة تصل إلى 63%. أما بالنسبة لظروف العمل، فلا تساهم إلا بمعدل 37%.

ويبين توزيع النشيطين المشتغلين حسب عدد الإحساسات السلبية أن 10% من السكان تعاني على الأكثر من شعور سلبي واحد من أصل 11 المعتمدة و75% تعاني من 2 إلى 6. في حين تمثل نسبة النشيطين المشتغلين التي تعاني على الأقل من 7 إحساسات سلبية حوالي 15%.

أما فيما يتعلق بالرضا إزاء العمل، فيقدر المستوى المتوسط للرضا بحوالي 4,7 على 10. حيث انتقل المستوى المتوسط ​​ للرضا من 7,7 على 10 بالنسبة للنشيطين المشتغلين الذين لا يكنون أي شعور سلبي إلى 3,8 بالنسبة الذين يكنون على الأقل 8.

جودة الحياة والعيش الكريم حسب التصورات إزاء الحياة الأسرية والبيئةالاجتماعية

عموما، تمثل عناصر الثقة 34% من العوامل المؤثرة سلبا على جودة الحياة الأسرية والبيئة الاجتماعية. وتقدر هذه المساهمة بحوالي 29% بالنسبة لعناصر احترام الحقوق والقوانين الاجتماعية، و28% بالنسبة لأواصر التضامن و9% بالنسبة للعلاقات الأسرية والاجتماعية.

ومن أصل 26 إحساس سلبي معتمد في هذا البعد، 10% من السكان يعانون على الأكثر من 3 إحساسات سلبية أو صعوبات، 61% بين 4 و12 و29% على الأقل 13.

ويمثل المستوى المتوسط للرضا إزاء الحياة الأسرية والبيئة الاجتماعية حوالي 4,5 على 10. حيث يصل هذا المتوسط إلى 5,7 بالنسبة للمواطنين اللذين لا يعانون من أي شعور سلبي، مقابل 3,9 بالنسبة للذين يعانون على الأقل من 13.

جودة الحياة والعيش الكريم حسب التصورات إزاء الحياة الثقافية والترفيهية

عموما، يساهم توفر البنية التحتية والولوج إلى الأنشطة الاجتماعية والترفيهية بحوالي 47% في الصعوبات المرتبطة بهذا البعد من العيش الكريم. والباقي يرجع إلى القابلية الفردية لممارسة الأنشطة الترفيهية (19.5%)، والصعوبات في ممارسة الأنشطة الترفيهية (17%) والأنشطة الثقافية (16.5%).

ومن أصل 18 إحساس سلبي معتمد في هذا البعد، حوالي 5% من السكان يعانون على الأكثر من 4 إحساسات سلبية أو صعوبات ، و30% من 5 إلى 9 ، و65% على الأقل 10.

و يصل المستوى المتوسط للرضا إزاء الحياة الثقافية والترفيهية إلى 3.6 على 10. وتنتقل هذه النسبة من 6 بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من 3 صعوبات (1.1% من المغاربة) إلى 3 بالنسبة للذين يعانون على الأقل 10 من أصل 18 الملاحظة (66%).

جودة الحياة والعيش الكريمالذاتي العام

لفهم أحسن للتداخلات بين العيش الكريم الذاتي العام وجودة الحياة، تم إعداد حاصل إجمالي للإحساسات السلبية والصعوبات المعيشة. والذي يعمل على تجميع على مستوى كل شخص مستجوب، النتائج المرتبطة بكل بعد من أبعاد العيش الكريم. انطلاقا مما تم تصميمه، يعكس هذا المؤشر تراكم الإحساسات السلبية والصعوبات، ويفرز معلومات عن تدني جودة الحياة: فكلما كان مرتفعا كلما تدهورت جودة الحياة.

فيما يتعلق بمجموع السكان، فإن المعدل المتوسط للإحساسات السلبية هو 39,2 من أصل 95 ميزة محددة لجودة الحياة تمت ملاحظتها من خلال البحث الوطني حول العيش الكريم. حسب وسط الإقامة، فإن هذا المعدل يرتفع في الوسط القروي بـ 43 مقابل 37 في الوسط الحضري. ويتراوح مجموع الصعوبات والإحساسات السلبية بين 9 كحد أدنى و74 كحد أقصى. بالإضافة إلى ذلك، %50 من الساكنة تعاني على الأقل من 39 صعوبة أو إحساس سلبي. ويصل هذا العدد الوسيط للإحساسات السلبية إلى 36 في الوسط الحضري مقابل 42 في الوسط القروي.

من جهة أخرى، يعاني 20% من الأشخاص، الذين يتمتعون بأعلى جودة حياة من 25 صعوبة أو إحساس سلبي في المتوسط، في حين يعاني 20% من الأشخاص الذين يعيشون أدنى جودة حياة من 55 صعوبة أو إحساس سلبي في المتوسط من مجموع كل أبعاد العيش الكريم.

وإذا كان مؤشر عدم المساواة (جيني) في الإحساسات السلبية يصل إلى 0,15، فإن ذلك يدل على أن المغاربة متساوون بشكل كبير إزاء الصعوبات والإحساسات السلبية المحددة لجودة الحياة. غير أن مستوى التفاوت يبقى نسبيا أكثر حدة في الوسط الحضري ب 0,166 مقابل 0,126 في الوسط القروي.

تأثير الإحساسات السلبية على مستوى رضا المواطنين في الحياة اليومية

إذا قمنا بترتيب الأشخاص حسب مجموع الصعوبات والإحساسات السلبية المعيشة على مختلف مستويات الحياة، فإن 20% من الساكنة التي تتوفر على أعلى جودة الحياة ( 9 إلى 30 إحساسا سلبيا) تصرح بأن مستوى رضاها في المتوسط هو 6,3 على 10. أما بالنسبة ل 20% من الساكنة التي ترزح تحت تأثير الإحساسات السلبية ( 49 أو أكثر) تصرح في المتوسط بأن مستوى رضاها ضعيف يصل إلى 3,7.

وفي نفس السياق، 20% من الساكنة الأقل حظا فيما يتعلق بجودة الحياة تعيش في الوسط القروي بـ 53%، مقابل 47% بالوسط الحضري. وحوالي نصف هذه الساكنة بدون مستوى تعليمي، و40% منها تشتغل كعمال، و24% تشتغل كمستغلين فلاحيين، و70 % منها تصرح بدخل شهري لا يتعدى 3000 درهم.

أما بالنسبة للساكنة التي تتمتع بأعلى جودة حياة، ف 80% منها هي ساكنة حضرية، 60% تحظى بمستوى تعليم ثانوي أو عالي، و44% منها عبارة عن أطر عليا أو متوسطة و44% منها تصرح بدخل شهري يفوق 5000 درهم”.

 

 

 

التعليقات مغلقة.