عقد بمجلس النواب يوماً دراسياً خصص لتثمين العمل المنزلي للنساء، في لحظة مؤسساتية حملت رسائل قوية حول ضرورة الاعتراف بالجهد غير المرئي الذي تقدمه ملايين المغربيات داخل البيوت وخارجها دون مقابل، وهو جهد تقدر قيمته الاقتصادية بنحو 513 مليار درهم، بما يعكس حجم الإسهام غير المحسوس في دعم الدورة الإنتاجية الوطنية.
وأكدت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة نعيمة ابن يحيى، في كلمتها الافتتاحية، أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة تفرض اليوم إعادة النظر في الطريقة التي يُقاس بها العمل، معتبرة أن إنصاف المرأة يتطلب الاعتراف الصريح بمجهوداتها غير المؤدى عنها وملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وشددت على أن تقدير هذا العمل لم يعد مطلباً اجتماعياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية وتنموية تستوجب إدماجه في السياسات العمومية.
وفي السياق ذاته، أكدت النائبة نادية تهامي، مقررة مجموعة العمل الموضوعاتية حول المساواة والمناصفة بمجلس النواب، أن البرلمان يتحمل مسؤولية محورية في الدفع نحو مقاربة جديدة للإنصاف، معتبرة أن تثمين العمل المنزلي للمرأة يمثل مدخلاً أساسياً لتحقيق الرفاه الاجتماعي وتقليص الفوارق داخل الأسرة والمجتمع.
ومن جهتها، قدمت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان، Marielle Sander، قراءة دولية معمقة لهذه الإشكالية، موضحة أن النساء عبر العالم يقمن بما يفوق 76 في المائة من أعمال الرعاية غير المؤدى عنها، وهو ما يشكل أحد مظاهر العنف البنيوي ضد المرأة، ويدعو إلى تبني نموذج تنموي جديد قائم على اقتصاد الرعاية. كما اعتبر سفير إسبانيا المعتمد بالرباط، Enrique Ojeda Vila، أن تنظيم هذا اليوم الدراسي يعكس جدية المغرب في مسار تعزيز المساواة، مؤكداً استعداد بلاده لتعزيز التعاون الثنائي في مجال حقوق النساء وسياسات الحماية الاجتماعية.
وشملت العروض العامة خلال اليوم الدراسي نقاشاً واسعاً حول الإطار المفاهيمي والقانوني للعمل المنزلي، وإمكانات إدماجه في السياسات العمومية عبر احتساب قيمته الاقتصادية واعتباره عملاً منتجاً ضمن بنية اقتصاد الرعاية الوطني. وركز الخبراء على ضرورة تغيير التمثلات الاجتماعية التي ما تزال تربط العمل المنزلي بالواجب الطبيعي للمرأة، مشددين على دور الإعلام والمناهج التعليمية في تفكيك الصور النمطية وتعزيز ثقافة الإنصاف داخل المجتمع.
وفي ختام هذا اليوم الدراسي، خلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات العملية التي تشكل نواة ورش وطني جديد لإعادة الاعتبار للعمل المنزلي. فقد تمت الدعوة إلى بلورة سياسة وطنية شاملة ومدعومة بإطار قانوني يضمن الاعتراف الرسمي بهذه المجهودات غير المؤدى عنها، مع تضمين قيمتها الاقتصادية داخل الحسابات الوطنية ومراجعة القانون التنظيمي للمالية لتمكين هذا الإدماج.
كما أوصت الخلاصات بتطوير منظومة الحماية الاجتماعية عبر إقرار تعويضات عن أعمال الرعاية داخل الأسرة ووضع نظام خاص للانخراط الطوعي لربات البيوت بشروط تفضيلية. وعلى المستوى الثقافي والتربوي، دعا المشاركون إلى إصلاح شامل للمناهج التعليمية وإرساء خطاب وطني جديد حول المساواة، يستند إلى قيم العدالة الاجتماعية والشراكة داخل الأسرة. ولضمان المتابعة والتقييم، تم اقتراح إحداث لجنة برلمانية خاصة تُعنى بتتبع هذا الورش وإصدار تقرير سنوي يقيس التقدم المحرز في مسار اعتراف الدولة والمجتمع بالعمل غير المرئي للنساء، باعتباره أحد أسس الدولة الاجتماعية التي يعمل المغرب على ترسيخها.
ب.ع/ح