متلازمة كاراكاس في قصر المرادية: قراءة في حتمية التحول الجيوسياسي الجزائري بعد سقوط مادورو..!!

0

تشير التطورات الدراماتيكية الأخيرة في فنزويلا، والتي توجت بسقوط واعتقال نيكولاس مادورو، إلى أبعد من مجرد تغيير نظام في أمريكا اللاتينية؛ إنها تمثل إعلانا صريحا عن بدء مرحلة “تصفية الجيوب الجيوسياسية” التي تعيق الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. وفي هذا المشهد، تبرز الجزائر كحلقة تالية مرشحة بقوة لهذا التحول، ليس بناء على تكهنات، بل استنادا إلى تقاطع حاد بين العزلة الإقليمية، الهشاشة البنيوية للنظام، والصدام المباشر مع أولويات “العم سام” في حقبة ترامب الجديدة.

​تكمن العلة الأولى في “عقيدة الحصار الطاقي” التي تتبناها واشنطن لتقليم أظافر التنين الصيني. فالجزائر، بموقعها الاستراتيجي واحتياطاتها الضخمة من الغاز، تعد رئة طاقية خارج السيطرة الغربية الكاملة، وتوجه عوائدها لدعم محاور معادية للمصالح الأمريكية، من إيران إلى المنظمات الموصوفة بالانفصالية والإرهابية مثل “البوليساريو“.

إن تجفيف منابع الطاقة عن الصناعة الصينية يمر بالضرورة عبر تفكيك الأنظمة التي تستخدم الثروة الطبيعية كأداة سياسية للتمرد على “النظام العالمي الوحيد”، وحين نرى الصمت الجزائري المريب تجاه سقوط مادورو، ندرك أن النظام يدرك جيدا أن “ساعة الحقيقة” قد دقت، وأن الشعارات الثورية التي جمعت الجزائر وفنزويلا سقطت أمام واقعية الخوف من المصير المشترك.

​أما على الصعيد الداخلي، فإن النظام الجزائري يعاني مما يمكن تسميته “الاحتراق الذاتي للشرعية”. فمثلما حدث في فنزويلا، بنى العسكر في الجزائر استقرارا وهميا يقوم على “توزيع الريع مقابل الصمت” و”صناعة العدو الخارجي”. لكن، ومع تآكل هذه الصيغة، أصبح النظام يواجه فراغا داخليا مرعبا؛ فالحراك الشعبي لم يمت بل تحول إلى غضب صامت ينتظر لحظة التصدع.

إن الأنظمة التي تحول الدولة إلى “ثكنة” والشعب إلى “رهينة”، كما فعل مادورو وتبون، تكتشف في لحظة الحقيقة أن الجيش الذي يعد لحماية النظام لا يملك عقيدة القتال ضد الشعب حين ترفع القوى الكبرى يدها عن النظام.

​إقليميا، انتحر النظام الجزائري دبلوماسيا بدخوله في “عزلة شاملة”، فمن خلال معاداته للمغرب بشكل كلاسيكي، وقطيعته مع دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، وتوتره مع ليبيا ودول الخليج كالإمارات، أصبح النظام الجزائري “جزيرة معزولة” وسط محيط من الخصوم، هذه العزلة تجعل من عملية التغيير الخارجي أو الانهيار الداخلي أمرا “قليل التكلفة” دوليا، إذ لن يجد النظام حليفا إقليميا واحدا يرمي له طوق نجاة. بل على العكس، فإن القوى الإقليمية التي تعرضت للتطاول الجزائري قد ترى في التغيير القادم مصلحة استراتيجية لإنهاء بؤرة التوتر في شمال إفريقيا.

​ختاما، إن الرهان على أن “ترامب لا يمزح” ليس مجرد شعار، بل هو قراءة في تحول السياسة الأمريكية نحو الحسم السريع. فالجزائر التي تجرأت على الدعوة لتجاوز الدولار والتحالف مع أعداء واشنطن، وضعت نفسها في خانة “الهدف الاستراتيجي”. وسقوط مادورو ليس إلا بروفة لما سيحدث في القصر الرئاسي الجزائري؛ حيث ينهار الحكم العسكري ليس بفعل المؤامرات، بل لأنه فقد مبرر وجوده داخليا وخارجيا، ليجد نفسه وحيدا أمام عاصفة التغيير التي لا تعترف بالسيادة المشروطة أو الشعارات الجوفاء.

 الاستاذ عبد اللطيف أيت بوجبير: المحامي بهيئة الدارالبيضاء /كاريكاتير “حدث كم”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.