غطت مباريات كاس افريقيا للأمم المغرب 2025، على “القنبلة” التي فجرها عزيز اعنوش رئيس حزب التجمع الوطني للاحرار في مقر الحزب بحي الرياض، بعدما اعلن عن عقد مؤتمر استثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار يوم 7 فبراير المقبل، مقرونًا بقراره عدم الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب، بعدما شعر بان “مهمته” قد انتهت ولا تناسب المرحلة المقبلة.
وفي قراءات تحليلية لما يجري ويدور داخل “البيت التجمعي”، خاصة وان هذا الإعلان جاء بعد أقل من 12 ساعة على انعقاد المجلس الوطني للحزب، الذي كان قد صادق على تمديد هياكله إلى ما بعد انتخابات 2026، جعل هذا القرار مفاجئًا، بل ومربكًا، سواء من حيث التوقيت أو من حيث الدلالات وجعل حزب “الحمامة” يدخل في مرحلة مخاض سياسي وتنظيمي غير مسبوقة، حيث ان “الخطوة” لم تكن عادية ولا متوقعًة، بل “نزلت” كقطيعة مفاجئة مع منطق الاستمرارية الذي ساد داخل الحزب خلال السنوات الأخيرة، حيث كانت شريحة واسعة من قياداته ومنتخبيه تهيئ نفسها لاستحقاقات 2026 بمنطق “الضمان !”، بل بعضهم لم يتردد في التصريحات ، وبطموح ترؤس عزيز اخنوش “حكومة المونديال 2030″، بما يحمله ذلك من حسابات مرتبطة بتراكم المواقع والامتيازات.
غير أن قرار “نهاية مهمة” عزيز أخنوش في هذا التوقيت بالضبط قلب الموازين، ونسف حسابات بنيت على يقين الاستمرار، خاصة بعد الجولات التنظيمية الواسعة التي قادها الحزب في مختلف جهات المملكة تحت شعار “مسار الثقة” صُرفت عليها مليارات في التنقل والحفلات واشياء أخرى...!.
وبالعودة لفهم السياق الأعمق لهذا التحول، تبرز عدة مؤشرات كانت توحي بأن مرحلة أخنوش داخل الحزب والحكومة تقترب من نهايتها، على نحو ما يشبه بفترة خروج سلفه صلاح الدين مزوار من الحزب في أقل من 48 ساعة، وقبل ذلك كانت تجربة مصطفى المنصوري ولكن بأسلوب مختلف..
ومن بين هذه المؤشرات، تكليف عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية من طرف جلالة الملك، لتدبير بملفات حساسة مرتبطة بالدعم في العالم القروي، والسهر على الاستحقاقات الانتخابية، مقرونة بعقد اجتماعات مع رؤساء الجهات دون حضور رئيس الحكومة، وهي إشارات سياسية قوية لا تخلو من دلالات ستتضح مستقبلا..
كما ان تصريحات علنية لزعماء أحزاب مشاركة في الأغلبية الحكومية ساهمت بل أعطت رسائل مشفرة تشير الى ان مرحلة عزيز اخنوش على وشك الانتهاء، وذلك ما زادفي تعميق العزلة السياسية لأخنوش، من قبيل خروج نزار بركة بتصريح وصف بعض أعضاء الحكومة بـ”الفراقشية”، و “الجشع” في قوت المواطن المغربي، متبوعا بمنسقة القيادة الجماعية لحزب الاصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري التي قالت بأنها “ستريّش الحمامة” في الانتخابات المقبلة، فضلًا عن عدة أخطاء سياسية وتدبيرية وتواصلية صدرت عن عزيز اخنوش وعن المقربين منه، عجّلت بعملية “الفرملة” قبل الوصول إلى محطة 2026.
وسياسيًا، لا يمكن فصل مسار أخنوش عن السياق الذي أفرزته انتخابات أكتوبر 2016، والدور الذي لعبه في إنهاء تجربة عبد الإله بنكيران على رأس الحكومة، بعدما فشلت محاولات سابقة قادها الزعيم السابق لحزب “الجرار”، فتمت مكافأته بالتربع على كرسي “الحمامة” في اقل من 48 ساعة، وبعدها على رئاسة حكومة 8 شتنبر 2021، غير أن تجربة أخنوش الحكومية، الممتدة لأربع سنوات، لم تُدار بمنطق الفعل السياسي بقدر ما سيطر عليها منطق المقاولة والتدبير التقني، و “باك صاحبي” وما رافقه من ارتفاع في غلاء الأسعار، وتفاقم البطالة، وتوسع رقعة الاحتقان الاجتماعي، وغيرها...
تُرجمت في سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات التي شملت قطاعات حيوية، بدءا من التعليم والصحة إلى المحاماة، مرورًا بملفات اجتماعية ومهنية أخرى، كان آخرها توتر العلاقة مع المنظمات المهنية في قطاع الصحافة والنشر. وهي تطورات راكمت منسوب الغضب الشعبي، وأضعفت الرصيد السياسي للحكومة ورئيسها.
وكل ذلك لا يخدم، بطبيعة الحال، المرحلة الدقيقة التي يعيشها المغرب، ولا حجم الملفات الاستراتيجية المطروحة على الطاولة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، والاستعداد لانتخابات 2026، التي تتطلب قيادة حكومية قادرة على التمثيل الخارجي الفعّال، والتواصل الداخلي الصادق، بلغة قريبة من المواطن وبتعبير “تمغرابيت” التي يفهمها الشعب المغربي، لا بلغة الأرقام المجردة والطائرات في السماء بعيدة عن ارض الواقع. في هذا السياق، بدا أن رسالة “الرحيل” وصلت في وقت محسوب، قبل فوات الأوان.
وفي المقابل، بدأ التفكير مبكرًا في ملامح الزعيم المقبل والذي سيقود مرحلة ما بعد 2026، التي تتماشى والخطاب الملكي السامي يوم 31 أكتوبر 2025، وما بعده، حيث سيقبل المغرب على مراحل حساسة تتطلب التلاحم الداخلي ، والديبلوماسية الموازية في الخارج، لاتمام مسار انهاء ملف الصحراء المغربية ، وهذه المهمة في حاجة الى أحزاب قوية ، وخطاب جديد واضح المعالم، لكسب الرهان وطنيا ودوليا.
ومن بين هذه الأحزاب قطبين إساسيين اضافة الى التجمع الذي ينتظر بروفايل الزعيم ، في حاجة الى شخصيات سياسية في مستوى الحدث، حيث ان حزب الاستقلال رغم انه مهيكل ويمكن ان يلعب دورا في القادم من الأيام اذا ما تم “الهمس” في اذن الزعيم لكي يستفيق من سبات تربية الماضي، والعمل على مسايرة وضع ما بعد 31 أكتوبر 2025، اما حزب “البام” والذئ سبق وان اجل مؤتمره الوطني لعدة مرات، لانه كان ينتظر مأل التجمع، سيعقد مؤتمره الوطني في اخر هذا الشهر من اجل إعادة “الجرار” الى وضعه الطبيعي بدل “التريبورتير”، “ليرجع القائد” واحدا يستطيع التنافس عن قيادة حكومة ما بعد انتخابات 2026،
اما رئيس “الحمامة” القادم، بعد تواري أخنوش عن زعامة الحزب، وبقائه على رأس حكومة تصريف الأعمال، فالصراع سيكون رباعي من الحرس القديم: محمد اوجار اليد النظيفة، بدون “شكارة”، ومولاي حفيظ العلمي، بحقيبة “الدولار” الذي ابعده اخنوش لظروف يعلمها هو !، وراشيد الطالبي العلمي سياسي محنك لكن…. : “وبنشعبون رجل الملفات الصعبة ويتقن تدبير “الحسابات” لكن السياسة تخونه شيئا ما!، وفي انتظار الإعلان عن الترشيحات قبل 28 من الشهر الحالي، يمكن ان تظهر المعجزات او المفاجئات، كما ظهرت استقالة اخنوش!.
والسؤال المطروح: هل تستطيع “الحمامة” التحليق دون الاتكاء على رجل واحد؟ وهل تملك القيادات التي ستتقدم إلى الواجهة القدرة على إدارة مرحلة انتقالية دقيقة، يتم فيها قصّ الأجنحة رمزيًا دون إسقاط الحزب أرضًا؟ إنه اختبار صعب، لن يحدد فقط مستقبل الحزب، بل جزءًا من ملامح المشهد السياسي المغربي في أفق انتحابات 2026..!
حدث كم