د. جمال المحافظ: كشف فشل المنتخب الجزائري، في بلوغ دور نصف نهاية كأس أمم افريقيا التي يحتضنها المغرب ما بين 21 أكتوبر 2025 و18 يناير 2026، من جديد عن تحكم السلطة، على وسائل الاعلام الجزائرية التي ظلت دوما مكبر صوت لها، خاصة بكل ما يتعلق بالإساءة الى المغرب.
فوسائل الاعلام الجزائرية ومعها وزير اتصال قصر المرادية، أرجعت سبب هزيمة منتخبها أمام نظيره النيجيري في دور ربع نهاية البطولة القارية، إلى ” مؤامرة مخدومة ” للاتحاد الافريقي لكرة القدم والمغرب، بدعوى ” تفادي مواجهة منتخب البلد المضيف ” في مباراة نصف النهاية في الوقت الذي كان المطلوب أن يتولى الاعلام تحليل وتقييم الأداء التقني للنخبة الجزائرية التي عجزت طوال المباراة مجاراة خصمها النيجيري الذي تمكن المنتخب المغربي من الفوز عليه في مباراة نصف النهاية ليحجز بذلك مقعدا الأحد 18 يناير الجاري في المباراة النهائية لكأس افريقيا للأمم في كرة القدم، ضد نظيره السنغالي.
صور نمطية
وفي اطار محاولتها الرامية دوما، تكريس صور نمطية سلبية عن جارتها المملكة المغربية، تستمر سلطات الجارة الشرقية، من خلال وسائل الاعلام في الدعاية والترويج للمغالطات، ليس فقط حول الرياضة، لكن حول كل ما يتعلق بالمغرب، وذلك بطريقة منهجية، تروم العمل على استدامة التوتر والنزاع وبث الفرقة والبلبلة بين البلدين الشقيقين.
هذا السلوك ليس وليد اليوم، بل ممارسات تعودت عليها السلطة الجزائرية منذ عقود، حيث كان محمد العربي المساري ( 1936 – 2015 )، من المفكرين والاعلامين المغاربة من انتبه إلي هذه السلوكيات والممارسات والتي وثق جوانب منها في كتاب بعنوان ” قصف الواد الناشف”، كشف فيه كيف تستعمل وسائل الإعلام الجزائرية في معارك سياسية ضد المغرب، وكيف أن هذا الإعلام لا يستطع أن يحمي نفسه، بالمهنية اللازمة والتقيد بأخلاقيات المهنة، وترك نفسه في يد الماسكين بزمام السلطة هناك، وأهوائهم لمعاكسة المغرب ووحدته الترابية.
واستند المساري في مؤلفه الذي كان في حقيقة الأمر دراسة استشرافية لظاهرة ” المغرب الافتراضي” في المخيلة الجزائرية، على ما جمعه من قصاصات الصحافة الجزائرية التي كانت تنشر أخبارا مزيفة ومفبركة عن قيام السلطات المغربية، بقصف الواد الناشف بالقرب من وجدة. وهو ما يوضح استغلال الإعلام الجزائري في الصراعات السياسية من خلال نشر معلومات مضللة.
لم يكتف المسارى الدبلوماسي والوزير، بتجميع نماذج من ” كتابات صحافة ” الجارة الشرقية، بل قام كذلك بحفريات في أركيولوجيا الذاكرة ،عندما كشف بأن السلطات الجزائرية، تحكمت فيها تاريخيا، نظرة تنطلق من أن تونس كان لها دور في قيادة المنطقة المغاربية أيام الفاطميين، وأن المغرب شبع قيادة في المنطقة من عدة فترات، وأنه آن الأوان ليحل دور الجزائر، وهي مصممة على ألا تضيع منها الفرصة التي سنحت، وعلى المغاربة والتونسيين أن يفسحوا لها الفرصة بكل أخوة”.
عوامل تاريخية ونفسية
واعتبر العربي المساري في هذا الصدد بأن ” العوامل التاريخية لهذه الكراهية اتجاه المغرب متعددة”، لكنه أضاف أن فتح العثمانيين للجزائر وفشلهم في ذلك على أبواب فاس، سيزيد من تراكم الحقد التاريخي للجزائر على المغرب، فضلا عن السلاطين المغاربة، كان يكلمون الباب العالي بإسطنبول بندية واعتزاز، وهو ما جعل الجزائر تنظر بعين الضعف إلى نفسها مقارنة بالجار القوي، وسيزداد منسوب العداوة أكثر حين لم تقم فرنسا باستعمار المغرب، إلا بعد 80 عاما من احتلالها الجزائر.
فبعد سنين من الاختفاء وراء شعار تقرير المصير، برزت أمور على حقيقتها وجاءت فكرة تقسيم الصحراء، ترجمة لبيان وزارة الخارجية الجزائرية في ال 15 من يناير 1975 من أن حكام قصر المرادية، يرفضون كل حل لم تشارك في إعداده الجزائر كطرف معني ومسؤول”، وهو ما جعله يؤكد بأن الأمور ترجع من حيث كانت في البدء، يسجل المساري الذي عزا سبب توتر العلاقات بين البلدين، “عقدة نفسية تعاني منها الجارة الجزائر” لان ” المهم عندها ليس أن تربح اسبانيا، بل أن يخسر المغرب”، الذي كان قد تقوى موقفه في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وذلك بفضل الالتفاف الوطني الذي حدث، تحت شعار ارتباط مسلسل تحرير الأرض بتحرير المواطن، أي بتسهيل نجاح المسلسل الديموقراطي”.
فعلى الرغم من تعقد العلاقة القائمة ما بين السياسة والرياضة، إن حسنت النوايا، يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتأثير الإيجابي لتحسين العلاقات المغربية الجزائرية، ولتجسيد قيم الوحدة والتكامل والعيش المشترك، عوض مواصلة استغلالها كأداة للصراع وتأجيج الخلاف.
اليد الممدودة
فيواصل المغرب الإعلان عن التزامه بسياسة اليد الممدودة التي شكلت معطى قارا في علاقات المغرب مع جارته الشرقية التي تلجأ الى الصمت، وتسخر وسائل اعلامها ووسائط تواصلها، للتشكيك فيها وممارسة كافة أشكال التضليل والافتراء، متناسية بأن العلاقات بين البلدين، لا ترتبط بالجغرافيا فقط، لكن يحكمها التاريخ المشترك ووحدة المصير. وغني عن البيان بأن سياسة اليد الممدودة، في كنهها، تترجم الايمان بوحدة الشعوب المغاربية، وقدرتها على تجاوز الوضع الراهن. كما تبرهن بالملموس التزام المملكة الصادق بانفتاح المغرب على محيطه الجهوي وفي طليعته جواره المباشر أي الجزائر، الذي يرتبط معه بعلاقات إنسانية وتاريخية عريقة، ومصير المشترك. وإذا كان ما يجمع الجزائر والمغرب، أكثر ما يفرقهما، فإنه يقع على عاتق الإعلاميين والمثقفين، والأكاديميين والمجتمع المدني بالبلدين الشقيقين المساهمة الفعالة، في تجسير العلاقات بينهما بهدف تجاوز الخلافات، عوض استغلالهم، في تنفيذ أجندات أصحاب زيادة التوتر وادامة النزاع وبث الفرقة وتشجيع التجزئة والانفصال.
إن بناء الاتحاد المغاربي الذي راهنت عليه الأجيال في الماضي والحاضر، لازال يشكل في ظل التحولات المتسارعة جهويا ودوليا، أفقا لمستقبل مزدهر، وآلية بإمكانها رفع التحديات الكثيرة التي تواجهها المنطقة التي تزخر بمؤهلات متنوعة وطاقات طبيعية ومؤهلات بشرية، إن وجهت الوجهة الصحيحة، يمكن الاستفادة منها، في ترقية وضعية شعوبها التواقة دوما للوحدة والتعاون والتكامل. كما أن الرياضة ومعها الثقافة والاعلام، يمكن أن تشكل بدورها – بعيدا عن مشاكل السياسة – إحدى الآليات المطلوبة، ليس فقط لتكون جسرا للتعاون، وإنما أيضا دعامة لتحسين وإنعاش العلاقات المغاربية، التي تتطلب انخراط الجميع – بحسن نية ومسؤولية ووضوح – لرفع التحديات التنموية والاجتماعية والديمقراطية للتوجه بثقة وعزيمة نحو المستقبل الذي لن يكون الا واعد الا في ظل الوحدة والديمقراطية