من بين أبرز الدروس التي أفرزتها بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم التي احتضنها المغرب ما بين21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، تتمثل في ضرورة اصلاح الاعلام لإحداث النقلة النوعية المطلوبة في هذا القطاع الذى يصنع الفاعلون فيه الرأي العام، ولدوره المتعاظم والحاسم في ظل تحديات الثورة الرقمية ورهانات الذكاء الاصطناعي التي ساهمت في كسر احتكار الصحافيين لمجالات نشر الأخبار وتعميم المعلومات التي كانت الى وقت قصير مجالا خالصا للصحافة والاعلام.
وبغض النظر عن التمكن من ربح رهان تنظيم بطولة افريقيا، وتسويق ايجابي لصورة المغرب، خاصة ما يتعلق بالبنيات التحتية والتجهيزات الرياضية، التي جعلته رائدا افريقيا بامتياز في هذا الصدد، وهو بمثابة تأكيد جديد على استعادة مكانته الهامة بالقارة الافريقية فإن الاعلام والاتصال، تأكد مرة أخرى، نقص كبير في التعاطي مع ملف الإعلام في هذه العرس الرياضي القاري، على الرغم من المجهودات التي بذلتها الطواقم الصحفية والتقنية، للإعلام العمومي، خاصة السمعي البصري، في تغطيتها ومواكبتها ل” كان المغرب 2025 “.
إعلام احترافي
إن رهان تنظيم أية تظاهرة رياضية كبرى قارية كبطولة كأس أمم افريقيا ومونديال الفيفا لكرة القدم الذي يحتضنه المغرب بمعية اسبانيا والبرتغال سنة 2023، لا يقف عند حدود توفير البنيات اللازمة للتنظيم، رغم من أهميتها، ولكن كذلك يرتبط بمدى التوفر على وسائل إعلام احترافية، وتأهيل للطواقم الصحافية والتقنية، من خلال مخططات علمية في مجالات التكوين المهني، وذلك تكون البلاد في مستوى التحديات المطروحة.
وإذا كان القصد للجوء الى فئة المؤثرات والمؤثرين، لاستثمارهم في الاشهار والترويج، والانفتاح على التعبيرات الجديدة في ميدان التواصل، فإن مثل هكذا المبادرات لا يمكنها أن تشكل بديلا عن الصحافة والاعلام المهني الذي مع الأسف الشديد من لازال هناك من يعتبره ” قطاعا هامشيا مزعجا “، إما عن سوء تقدير أو نتيجة خطأ وجهل للأهمية التي تضطلع بها وسائل الإعلام، وهو ما تأكد في بطولة افريقيا للأمم بالمغرب. لقد أطهرت التجارب الدولية بالملموس أن وسائل الاعلام والاتصال، تشكل في زمن اللايقين، المدخل الحاسم ليس فقط تسويق الصورة الحضارية والثقافية لأي بلد، ولكن لمواجهة الصور النمطية التي قد تلجأ اليها بعض الأطراف المناوئة التي تحول الاعلام ووسائط التواصل إلى أداة للتضليل.
البحث عن الحقيقة
بيد أن الرهان الحقيقي الذي قد تواجهه وسائل الإعلام، لا يتعلق بالتغطية الإخبارية للحدث، فحسب، بل يرتبط أساسا بمدى قدرة الإعلام على أداء وظائفه في البحث عن الحقيقة، والتقيد بأخلاقيات وقواعد المهنة، استنادا الى استراتيجية واضحة المعالم تتجاوز البعد الرياضي. فرغم من المجهودات المبذولة، والأشواط التي قطعها المغرب على المستويات اللوجستية والتنظيم، فان الجميع أصبح مقتنعا الآن، بأن الإعلام ظل ” سؤالا مؤجلا”، وهو ما أثبتته مجريات مباريات كأس افريقيا للأمم، وما رافقها من أحداث .
وهذا ما يتطلب الانكباب على اعداد استراتيجية إعلامية وتواصلية جديدة تقطع بشكل لا رجعة فيه مع كل التعامل بلامبالاة واستصغار مع هذا القطاع والفاعلين المهنيين فيه، اعلام يتعين عليه أن تعكس ما تتميز به البلاد من مميزات وتنوع وتبرز وجهات النظر لمختلف الحساسيات والفعاليات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، وتحقق العدالة المجالية التي تمر عبر وسائل الاعلام، وتقارب التحولات الحاصلة بالمغرب مع الاستثمار الإيجابي للاهتمام الجماهيري الذي تكرس في التظاهرة الرياضية الافريقية.
لحظة تاريخية
وإذا كأس العالم 2030 يمثل لحظة تاريخية، باعتباره أكبر حدث رياضي غير مسبوق بالمغرب، فإنه يتطلب إعادة النظر في النظرة السلبية لمدبري الشأن العام حول الإعلام والإعلاميين، مع تجديد الخطاب الصحفي وتحديث أدواته، بما يخدم إشعاع البلاد قاريا ودوليا، ويعكس كذلك مكانة المملكة، كبلد فاعل وصاعد، وذلك بالمبادرة بإدراج ملف الصحافة والإعلام، ضمن انشغالات اللجنة التنظيمية المكلفة بالتحضير لاستضافة مونديال 2030، مع بناء خطاب إعلامي يكرس القيم الكونية التي ينص عليها دستور المملكة، وفي مقدمتها الانفتاح، والتعايش، والالتزام بالتنمية المستدامة، واضطلاع وسائل الإعلام بأدواره في مجال الاخبار والتثقيف والتوعية والترفيه، وتوطيد الثقة بها لدى الرأي العام وطنيا ودوليا.
ويمكن أن يشكل كأس افريقيا للأمم، بروفة أولى ليس فقط لاختبار قدرات المغرب على مستوى البنيات التحتية التي خصصت لها استثمارات مالية ضخمة، مكنت من توفير تجهيزات مهمة، منها مركبات رياضية كبرى في عدد من المدن، يضاهي بعضها، ما هو موجود حتى بقارة أوروبا. لكن بالنسبة للصحافة والإعلام، التي يتعن أن تتحول إلى فرصة للوقوف على مدى جاهزية الإعلام الوطني على مواكبة التظاهرات والأحداث الرياضية الكبرى، وتثمين الإيجابيات لاستثمارها مستقبلا، مع تجاوز السلبيات والهفوات الحاصلة، وذلك من خلال استقراء موضوعي، لنقط القوة وتطويرها وتحديد مكامن الضعف والخلل لتفاديها مستقبلا، مع ضمان تعبئة شاملة، وفق مقاربة تشاركية، تتكاثف فيه جهود مختلف الفعاليات من كل المواقع المعنية، مع الايمان بمركزية الإعلام المهني في إنجاح التظاهرات الرياضية الكبرى.
الاعلام والجمهور
لقد أضحى الاعلام المتخصص في الرياضة، يحتل مكانة رئيسة، جعل غالبية الحكومات والهيئات الرياضية الدولية، تولى أولوية بالغة لوسائل الاعلام، لمواكبة أدق تفاصيل التظاهرات الرياضية، إذ المطلوب بأن تتحول الصحافة الوطنية الى مصدر رئيسي للأخبار، بمختلف التظاهرات التي يحتضنها المغرب، وذلك من أجل منافسة كبريات وسائل الإعلام، عبر تقديم منتوج مهني شامل يتضمن كافة الاجناس الصحافية كالحوارات وتحليل المباريات والتعليق والاستقصاء والتحري، والبحث عن ما وراء الخبر، مع اتقان اللغات الأجنبية الرئيسية، فضلا عن الاستفادة من مختلف التجارب الدولية والممارسات الفضلى في ميدان الاعلام الرياضي.
إن كرة القدم، ليست فعلا رياضيا فقط، بل كذلك تعبيرا ثقافيا، وهو ما يضع على كاهل وسائل الإعلام مهام إضافية أخرى، تخرج عن وظائفها التقليدية، كنقل النتائج المباريات التي أصبحت متاحة لكل فئات الجمهور بفضل الثورة التكنولوجية. لذا فدور وسائل الاعلام، أضحى يرتبط بعمليات أخرى، تغيرت بمقتضاها اهتمامات الرأي العام، الذي أصبح على اطلاع بمختلف التفاصيل مهما كان حجمها، نتيجة تيسير تداول المعلومات.
ويظل كذلك مطروحا هل بإمكان وسائل الاعلام في ظل وضعها الراهن على المستويين الذاتي والموضوعي، التعريف مهنيا بما فيه الكفاية بالثراء الثقافي والحضاري والتنوع الذي تمثله مختلف جهات المملكة، وإبراز خصوصياتها، وكيف ستتعامل هذه الوسائل – على سبيل المثال – مع المتغيرات الطارئة على العلاقة القائمة ما بين لعبة كرة القدم والجمهور الذي لم يعد حاليا، مجرد “متفرج سلبي”، بل أصبح شريكا فاعلا في الحدث الرياضي، عبر اسهامه في خلق أجواء حماسية وتفاعلية، التي توفر شحنات إضافية للفرق واللاعبين بهدف تحفيزهم على بذل مجهودات أكبر لتحقيق الفوز. ويعكس التنوع في طرق المتابعة والاحتفال الجماهيري، تطورا جديدا في تفاعل جمهور كرة القدم مع اللعبة، مما جعله قادرا على التعبير عن مشاعره وآرائه، بشكل مغاير وأوسع وكذلك أكثر فاعلية.