اعمارة:صمود المجتمعات ضرورة استراتيجية .. لا يمكن تحقيقها إلا عبر سياسات عمومية دامجة، منصفة اجتماعيا فعالة اقتصاديا ومستدامة بيئيا
في كلمة ألقاها خلال افتتاح أشغال الدورة العاشرة للمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، المنعقد تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالةالملك محمد السادس، بمجلس المستشارين، والمنظم بشراكة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول موضوع “العدالة الاجتماعية في عالم متحوّل.. الحاجة إلى سياسات منصفة لمجتمعات أكثر صمودا“، أبرز عبد القادر أعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، سياق انعقاد هذا المنتدى في ظل تحولات عميقة لم تعد ظرفية أو قطاعية، بل باتت بنيوية ومتداخلة، ما يجعل من صمود المجتمعات ضرورة استراتيجية لا يمكن تحقيقها إلا عبر سياسات عمومية دامجة، منصفة اجتماعيًا، فعالة اقتصاديًا، ومستدامة بيئيًا.
وأوضح أعمارة ، بأن العدالة الاجتماعية لم تعدتُختزل في كونها غاية نهائية، بل تحولت إلى مسار مفتوح يتفاعل مع التحولات ويستبق المخاطر، التي لا يُقاس فقط بمعدلات النمو، وإنما بقدرة الدولة على حماية مواطنيها في أوقات الأزمات، وضمان الكرامة وتكافؤ الفرص والإنصاف.
كما اكد على ان هذا التحول المفاهيمي يعكس وعيًا متقدمًا بحدود المقاربات التقليدية للتنمية، ويؤشر على ضرورة اعتماد نماذج تنموية جديدة تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.
وفي السياق ذاته، استحضر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ورش تعميم الحماية الاجتماعية، باعتباره أحد أبرز تجليات بناء “الدولة الاجتماعية من الجيل الجديد”، كما أرساها جلالة الملك، مبرزا المكاسب المحققة سواء على مستوى توسيع التغطية الصحية أو تعميم برامج الدعم الاجتماعي، بما يعكس انتقال الحماية الاجتماعية من منطق الإحسان أو الامتياز المؤقت إلى منطق الحق الهيكلي المستدام.
غير أن أعمارة، شدد على أن الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الصمود، مؤكدا أن الصمود الحقيقي يقوم على منظومة متكاملة تشمل تثمين الرأسمال البشري، وحماية الفئات الهشة، وتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة، والنهوض بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتنويع النسيج الاقتصادي، ودعم الابتكار والبحث العلمي، وتسريع التحول الرقمي، إلى جانب تأمين الأمنين الغذائي والمائي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
وأكد في ذات التدخل، على ان هذا الطرح يعكس رؤية شمولية تربط العدالة الاجتماعية بالتحول الاقتصادي والرقمي والمجالي، وتخرجها من منطق السياسات الاجتماعية الضيقة إلى أفق التنمية المندمجة. ودعا، في ختام كلمته، إلى بلورة نموذج وطني متكامل للعدالة الاجتماعية، يرتكز على أربع دعامات أساسية تتمثل في وضوح الأهداف المرتكزة على المواطن، واعتماد آليات تقييم مستقلة وشفافة، وضمان التقائية السياسات العمومية، وتأمين تمويل مستدام عبر توسيع الوعاء الضريبي، وتنويع مصادر التمويل، واللجوء إلى آليات مبتكرة.
وهي دعوة تعكس، في جوهرها، انتقال النقاش من مستوى التشخيص إلى مستوى بناء السياسات العمومية، ومن منطق التدخلات المجزأة إلى منطق النموذج المندمج، بما يعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويجعل الإنصاف قاعدة للاستقرار والتنمية المستدامة.