من “رحل” عزيز اخنوش.. ليُبكي بعض القادة..؟!

في كل منعطف سياسي كبير، لا تكون الدموع وحدها هي التي تفضح حجم التحولات، بل ما تختزنه من دلالات أعمق تتجاوز العاطفة إلى بنية الحزب ومنطق اشتغاله. هذا ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، مظاهر التأثر والبكاء التي بدت على بعض قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار عقب إعلان عزيز أخنوش عدم استمراره على رأس الحزب، وتسليم “مفاتيح قفص الحمامة” إلى محمد شوكي، القادم من حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2021، والذي وجد نفسه فجأة على رأس حزب عصمان.

ولفهم هذا المشهد، لا بد من العودة إلى الجذور. فقد تأسس حزب التجمع الوطني للأحرار سنة 1978 على يد أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، في سياق سياسي خاص أعقب انتخابات 1977، حيث جرى تجميع المرشحين الأحرار لـ“صناعة حزب أغلبي” قادر على تأمين الاستقرار البرلماني الذي كان مهددًا آنذاك من طرف المعارضة. ولم تكن نشأة الحزب ثمرة تفاعل اجتماعي أو امتدادًا أيديولوجيًا، بقدر ما كانت أداة سياسية مرتبطة بشخص مؤسسها ومحيطه.

غير أن هذه البنية سرعان ما اهتزت سنة 1982، حين تم “تكسير أجنحة” الحزب، قبل أن تصير “حمامة”، مع بروز الحزب الوطني الديمقراطي بدعم من الجنرال أحمد الدليمي، في سياق إضعاف ذلك “الحزب الأغلبي” ليصبح حزبًا وسطيًا كان يُطلق عليه آنذاك توصيف “معارضة الملك الحسن الثاني”. وبعدها، جرى تأسيس الاتحاد الدستوري سنة 1984 بقيادة الأستاذ المعطي بوعبيد، الوزير الأول ووزير العدل آنذاك، ليقود بدوره أغلبية جديدة.

ومنذ ذلك الحين، دخل التجمع مسار حزب وسطي، لا هو معارضة صلبة ولا هو قيادة مستقلة للأغلبية، يعيش على وقع موازين قوى تُرسم له أكثر مما تُصنع داخله. وتعزز هذا الوضع بعد مغادرة مؤسسه أحمد عصمان، وتسليم مفاتيح “قفص الحمامة” إلى مصطفى المنصوري، الذي ذاق مرارة التدخلات الخارجية وازدواجية مسانديه من الداخل، قبل أن يترك “الجمل بما حمل” لصلاح الدين مزوار، الذي احتضن تجربة “جي 8” للخروج من “فيضان” ربيع 2011. واستمرت بعدها “العملية” لمواجهة “مصباح” بنكيران، الذي استطاع الإفلات من “مخالب” الحمامة الناعمة، وما تلا ذلك من ترتيبات باتت معروفة لدى المتتبعين للشأن السياسي، وصولًا إلى تنصيب عزيز أخنوش على رأس الحزب أواخر أكتوبر 2016، ثم على رأس الحكومة بعد 8 شتنبر 2021.

لذلك، فإن هذا المعطى البنيوي يشكل مفتاح فهم “البكاء السياسي” اليوم، والفرق بين الماضي والحاضر. فعزيز أخنوش، بصفته أحد كبار أثرياء المغرب، كان قادرًا على تلبية كل ما طُلب منه، ولم يكن لأتباعه أن يجدوا من يضاهيه في ميدان المال والأعمال. وقد أُعيد إنتاج النماذج السابقة مع زعيم قوي، استطاع، بقوة حضوره المالي والتنظيمي، احتلال الصف الأول في المشهد السياسي وضمان تماسك الحزب، ونجح خلال عشر سنوات في بلوغ المبتغى، ليس فقط برئاسته للحزب، بل بضمان انسجامه الداخلي.

غير أن انسحابه من الرئاسة يفتح الباب على الخوف من المجهول. فتعيين محمد شوكي، القادم من حزب آخر، على رأس التجمع، لم يكن مجرد انتقال قيادي عادي، بل لحظة كاشفة لهشاشة “الاستقلال التنظيمي” للحزب، فحين يصبح الانتماء الحزبي قابلًا للتعويض السريع، وحين تُدار الخلافة بمنطق التعيين أكثر من التنافس الديمقراطي، يشعر جزء من القيادات بأن الحزب لم يعد ملكًا لمناضليه، بل ورقة في لعبة أكبر.

من هنا، لا يمكن قراءة الدموع بوصفها وفاءً شخصيًا فقط، بل تعبيرًا عن إدراك جماعي بأن الحزب، مرة أخرى، مهدد بأن يذوي بذهاب “الرجل القوي”، كما ذوى في مراحل سابقة بعد عصمان، وكما حصل في تجارب حزبية مماثلة بعد رحيل بوعبيد. إنها دموع الخوف من مصير أحزاب بُنيت على الأشخاص لا على المؤسسات، وعلى الإيعاز من فوق لا على التراكم من القاعدة.

وفي انتظار ما سيأتي، تبقى “الحمامة” مكسورة الأجنحة، ليس بسبب تنحي أخنوش في حد ذاته، بل بفعل نموذج حزبي لم يتحرر بعد من منطق “الزعيم ـ الحزب”. ما دام هذا النموذج قائمًا، فإن كل انتقال للقيادة سيكون لحظة بكاء لا لحظة تجديد، وكل رحيل سيُقرأ كخسارة وجودية لا كفرصة لإعادة البناء..!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.