صلاح الأحمر.. ‏في تذكرِ ربيعٍ مضى..!

غيماتٌ من وردٍ و منى
حلتْ في البالِ طرباً ونشيدْ
سحبٌ تحجبُ عينَ الشمسِ
لحنٌ يرفلُ في ثوبِ قصيدْ
سحبٌ غيماتٌ لا تُشبه أخرى
دقت جزلى خيمتَها في القلبِ طافت بالروحِ رذاذاً ينعشها
نثاراً من عطرٍ أخاذ
في جيدِ عروسٍ يتضوعْ
غيماتٌ صحّت في الخاطرِ أطيافاً للذكرى
نادت أصداءَ الأمسِ الغابرْ غرست في القلبِ فراديسَ ربيعْ
حينَ الطلُ يداعبُ تيجان الريحانْ
يلثمُ أكمامَ الزهرِ خجولاً
يغازلُ أحمرَ عبادَ الشمسِ الفتانْ
يلامسُ فَرِحاً أهدابَ شُجيراتِ الرمانْ
سحبٌ زرعت في الأفقِ أشواقَ خريفٍ ناضرْ
غيماتٌ هطلتْ تغسلُ أدرانَ الأكوانْ
تُحيي وريقاتَ الزرعِ العطشى
تمحو أوزار الإنسانْ
معها يستيقظ ُ فجراً عبقُ الأرضِ الوسنانْ
يستقبلُ بالأحضانِ صبيبَ بكورٍ هتانْ
غيثاً من مزنٍ نقراً في لحنٍ رنان ْ
يغْرِسُ في الأرضِ بذورَ جنانٍ قدسيةْ
يرسمُ في الكونِ دروباً صوبَ الرّيانْ
غيماتٌ تطفىء حرَّ الأيامْ
تروي ظمأي
تأسِرُني بروائح َ نفاذة
عطرُ أبي وشميمُ ضفائر أمي المسدولة
نكهاتُ العيدِ وألوانُه
رائحةُ “خبيز “الكعكِ” تُوَدِعُ شهرَ الصومِ
جمالَ لياليهِ البيضاء وصلواتِ هجودِه
سهراتِ المرحِ الصافي في دفءِ بيوتِ البسطاء
في دندنةِ أغانٍ سحرية
تأتي من نافذةٍ خلفَ الحوشْ
في بيتٍ جعلتهُ أمي قلعةَ حبٍ
بحراً من عطفٍ وحنانْ
صوتٌ َدوزَنَه حدبُ الأمِ ورِقتُها
مصقولٌ بمحبتِها معجونٌ بالطيبوبة
مزيكا القلبِ المسكونِ أماناً
إيقاعاتُ زمانٍ مكنونْ
أصواتٌ تمنحني متسعاً للحُلمِ وللذكرى
تأخذني من تيهٍ مضطربٍ مجنونْ
تسرقني من ضيقِ اللحظةِ واليأسِ
تحملني لأحلى ما مرّ من الأيامْ
ترجعُ بي لسنينِ العمرِ الأخضرْ
فتطوفُ بذهني حكاياتُ صباي الباكرْ
شقاواتُ طفولتِنا في الحي
حماقاتُ عصابتِنا من أبناءِ الجيرانْ
أولادُ النوبة آدم وسعيدْ
وعيالُ “القلعة” أمجد ورشيد
وشياطين فريق السكه حديد
هاشم وعصام ونجم الدين الصنديدْ
والباقون يتزعمهم فيصل
أخطرُنا في التخطيط وفي الحيلة
وجوه أشقائي وشقيقاتي
من رحلوا شباباً في ريعانِ العمرِ
زرعوا فينا مرارتِ الأحزانْ
بدرية كانت أكبرُهُم
والمتوكلُ تاج العنقود هو الأصغر
اللطفُ أخذتهُ هدى
والحكمةُ كانت أحمد
وجمالٌ في سمتِ المبدعِ عالمُه الأوتار
تذكرتُ لطافةَ عماتي
حكاوي سْيْدَه
ضحكاتُ نفيسة
عناق ُخديجة
وطبيخ دهيبه الحراق
زواج عشوشه المشهود
وأغانٍ لم أسمعها من قبل
مناغاةُ الجدة وبسمتُها
أحاجيها “فاطنة القصب الأحمر”
ومحمد فارسها الشاطر
حكاياتُ الغول الأعورْ
وأساطيرُ كنوزُ السلطانْ
كانت تحميني من غضبات أبي
إذ كنت شقياً مُتعِبْ
تخفيني في حضنٍ من ثوبٍ ويدين
سعيداً أصطنعُ النوم هناك فأغرق
يوقظني صوتُ بلومٍ في نخلِ الجيرانْ
ذاك ربيعٌ فاتَ ولن يرجعْ
وإن عادت تلك الأيام لبقيتُ هناك غريراً
طفلاً ما أسعدهُ
لكن هيهات
فالعمرُ قطارٌ مسرعْ
والأقدارُ
نهاياتٌ محتومةْ
والكونُ ملكوتُ للأسرار
فيه نحلُم نتمنى
فيه على عجل نمضي
لكنه يركض أسرع..
يركض أسرع.
“””””””””
صلاح الأحمر
الرباط / 20 يناير 2026م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.