أسفرت نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 عن تشكيل تحالف حكومي ثلاثي جمع بين التجمع الوطني للأحرار، حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، بقيادة كل من عزيز أخنوش وعبد اللطيف وهبي ونزار بركة، حيث تولى أخنوش رئاسة الحكومة وقيادة الأغلبية المنبثقة عنها.
وقد قدم هذا التحالف نفسه، منذ لحظة الإعلان عنه، باعتباره تجسيداً لـ”أغلبية منسجمة” تمتلك عدداً مريحا داخل البرلمان، وبرنامجا إصلاحيا موحدا قادرا على تنزيل وعود “الدولة الاجتماعية” وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية.
غير أن المسار السياسي منذ ذلك التاريخ، عرف تحولات داخلية أعادت تشكيل توازنات هذا التحالف، سواء على مستوى تغيير القيادات ، أو على مستوى رمزيتها داخل مكوناته، حيث انتقل حزب الجرار بعد تغيير عبد اللطيف وهبي من موقع الزعامة الفردية إلى صيغة قيادة ثلاثية بعد 10 فبراير 2024، وهذه “الثلاثية” ادخل عليها تعديلاً بتغيير أحد أعضائها.
كما أن مغادرة عزيز أخنوش لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، وتعويضه بـمحمد شوكي في 7 فبراير 2026، تفتح بدورها نقاشاً سياسياً حول رئاسة الأغلبية وتماسكها في المرحلة المتبقية من الولاية.
وإذا ما امتد هذا التغيير إلى رئاسة الأغلبية نفسها، فإن الحكومة قد تجد نفسها أمام حالة ارتباك سياسي وتنظيمي في ظرفية دقيقة تسبق انتخابات 2026، حيث تتصاعد الحسابات الحزبية وتتداخل رهانات الاستمرارية مع رهانات التموقع الانتخابي.
فالانسجام الحكومي لا يُقاس فقط بعدد المقاعد البرلمانية، بل بمدى تطابق الأجندات السياسية والانتخابية، وبقدرة المكونات على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع علني
مع اقتراب نهاية الولاية، ( مشروع قانون المحاماة ، والصحافة.. نموذجا)، لتبدأ كل هيئة سياسية في إعادة ترتيب أولوياتها، والسعي إلى تثبيت هويتها الخاصة وتمييز حصيلتها عن حصيلة شركائها، لتتجاهل التزاماتها اتجاه المواطنين، وهنا يبرز التحدي الأكبر للتحالف الثلاثي: كيف يمكن الحفاظ على منطق التضامن الحكومي في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى إبراز الخصوصية الحزبية استعداداً للاستحقاقات المقبلة؟
من الناحية المؤسساتية، لا تزال الأغلبية تتوفر على رصيد عددي مريح داخل البرلمان، لكن هناك ملفات استراتيجية كبرى تنتظر استكمالها قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، في ظل بعض التباينات التي تظهر أحياناً في القضايا ذات الحساسية الاجتماعية أو في تدبير ملفات قطاعية محددة، حيث يميل كل مكون إلى حماية رصيده السياسي وتعزيز موقعه التفاوضي داخل الأغلبية.
كما أن تعدد مراكز القرار داخل بعض مكونات التحالف، خصوصاً في حالة القيادة الجماعية، يوحي بان هناك هامش من الخلاف للتوافق الداخلي، لكنه في المقابل قد يُبطئ وتيرة الحسم السياسي في القضايا التي تتطلب وضوحاً وسرعة في اتخاذ القرار، الامر الذي سينعكس على صورة الانسجام التي تحرص الأغلبية على تسويقها.
وعليه، فإن قدرة هذا التحالف على استكمال الولاية الحالية بانسجام فعلي، لا شكلي، برئاسة محمد شوكي الرئيس الجديد لحزب “الحمامة”، ستظل رهينة بثلاثة عناصر أساسية: الحفاظ على مستوى عالٍ من التنسيق المؤسساتي بين مكوناته، تدبير الخلافات داخل الأطر التنظيمية بعيداً عن منطق التصعيد الإعلامي، وتحقيق حصيلة ملموسة اجتماعياً واقتصادياً تتيح الدفاع الجماعي عن التجربة أمام الناخبين.
وفي المطاف، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان التحالف سيصل شكلياً إلى نهاية الولاية، بل هل سيصل الى محطة نهاية السير لسنة 2026، بأقل الخسائر الداخلية، وبصورة أغلبية متماسكة قادرة إما على إعادة إنتاج نفسها، أو على التفاوض من موقع قوة داخل خريطة سياسية يُعاد تشكيلها على إيقاع التحولات القيادية والحسابات الانتخابية؟!.