يبدو أن بعض النخب السياسية المغربية والحقوقية والمدينية لازالت متشبعة بالثراث السياسي الذي إنتهى بعد إنهيار خط برلين، وبعيدة عن التحولات الجيوسياسية المتلاحقة، فقد أشارت دراسات أمريكية منذ عشر سنوات بأن العالم يعرف تغيرا جيوسياسيا على نحو غير متوقع وبشكل متسارع لايمهل الدول غير الجاهزة فرصة التفكير في التعامل معه، هذا التحول السريع خلق تصورا جيدا للعلاقات الدولية، وأصبح يشكل تحالفات جديدة متباعدة جغرافيا لكنها قريبة من تحقيق المصالح المشتركة،
وعليه فإن فكرة إنشاء مجلس السلام جاء ليواكب هذا التحول بعد أن فشلت المنظومة الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن هذا التحور الحيوي أربك النخب الظاهرة والباطنة في المغرب وفي العالم لتقييم مايصل محليا وإقليميا ودوليا ، حيث نجد أن هناك من يرحب بإنضمام المغرب لمجلس السلام ويعتبره مكسبا جيوسياسيا كبيرا، وبين من يعتبره مغامرة لاتعدو أن تكون ظاهرة تنتهي بعد نهاية فترة الرئيس الأمريكي رولاند ترامب، وبعيدا عن إصدار أحكام قيمة للأراء المطروحة، فإن هناك واقع سياسي دولي جديد تقرر فيه الولايات المتحدة الأمريكية ومن معاها وضعا سياسيا واقتصاديا قد يصبح واقعا في المستقبل القريب.
وبالعودة إلى الوضع الجيوسياسي الذي عشناه سنوات طويلة، نجد أن جميع التكثلات الجيوسياسية التي بنيت على المنظومة الدولية التقليدية الموروثة بعد الحرب العالمية فشلت في تدبير نفسها وفي تدبير محيطها فضلا عن فشلها في تدبير الخلافات والنزاعات الدولية بما في ذلك ” تكثل الاتحاد الأوروبي “،
ولهذا فإن انضمام المغرب إلى “مجلس السلام” يأتي في سياق دولي متحوّل وسريع يعيد رسم موازين القوى ليس فقط على مستوى القوى العسكرية والاقتصادية، ولكن على مستوى الأدوار الحيوية لبعض الدول الرائدة، والمغرب كدولة محورية في القارة الإفريقية بسبب موقعها الاستراتيجي وقوة مؤسساته وأدواره الاقليمية والدولية التي نجح فيها إقليميا، ولهذا إعتبر بعض المحللين أن المغرب من أهم الدول في مجلس الأمن،
وقد تجلى ذلك في المقترحات العملية التي قدمها المغرب لإعمار مدينة غزة الفلسطينية وترسيخ قيم التعايش والتسامح بمنطقة الشرق الأوسط كأحد مرتكزات الحل السياسي في المستقبل،وللإشارة فإن المغرب إنخرط مبكرا في المنظومة الدولية الجديدة عندما أبرم الإتفاق الثلاثي الموقع في شهر دجنبر 2020 بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل من أجل تحقيق مصالحه الحيوية، وفق رؤية إستراتجية تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل إلى بناء تكثل جيوسياسي متعدد الأدوار والأهداف، وقد أدرك المغاربة أهمية هذا التوجه الإستراتيجي للمغرب، وقد سجل العديد من الملاحظين أن المغرب إنتقل من أدواره الإقليمية إلى الأدوار الدولية وذلك بعد أن أصبح في قلب معادلة السلام في الشرق الأوسط، إنها تبدو مغامرة سياسية كما يراها البعض، لكن في الواقع هو إختراق جيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط،ليصبح المغرب من أكثر الدول أهمية في العالم العربي والإفريقي،
وبعيدا عن غموض الرؤية وعدم وضوحها في الشرق الأوسط،يبقى المغرب جاهزا لأي تحول إقليمي ودولي مرتبط بالسياقات الدولية الراهنة والتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط،وما سينتج عن ذلك من تحولات جيوسياسية ورهانات استراتيجية جديدة سترسم خريطة تحالفات مبنية على جغرافية المصالح الحيوية وليست بالضرورة جغرافية الجوار رغم أهميتها، ومن المتوقع قريبا أن نرى صعود قوى جديدة مقابل تراجع وانكماش قوى كانت الى عهد قريب تتحكم في مناطق كثيرة من العالم .
د. الحسن عبيابة .. أستاذ جامعي باحث ووزير سابق