المقهى أو البيت الثاني .. آخر معاقل المتقاعدين 2/1

عبدالعلي جدوبي: المقهى فضاء للعلاقات الإجتماعية، ومكون إبداعي ، ومكان لإضاعة الوقت ، والبحث عن أرقام الفوز لرهانات الخيل ، وفضاء اعلامي ، ومكان لعقد الصفقات ، ومناسبة للترويح عن النفس ، والتفنن في ابتكار اساليب النصب والاحتيال ، ومرتعا خصبا للنميمة ، وآخر معاقل المتقاعدين .   

عدد المقاهي بالمغرب حسب الجامعة الوطنية  لأرباب المقاهي والمطاعم 200 ألف مقهى ومطعم على المستوى الوطني ، تضم الدار البيضاء حوالي 20ألف مقهى وتستخدم حوالي مليون و500 ألف شخص .

تختلف الروايات في تحديد تاريخ نشأة المقهى ، والسمات التي كانت تميزها ودورها في تمثين العلاقات الإجتماعية بين الناس ..  وقد اجمع العديد من الباحثين على أن المقهى هو المكان الذي يجمع مختلف الشرائح الإجتماعية ومن مختلف الأعمار لإحتساء كؤوس الشاي والقهوة والمشروبات الغازية ، وكانت  بداية انتشارها    على أوسع نطاق في القرن 19 قبلة للوجهاء وعلية القوم والادباء ورجال السياسة، يتوافدون عليها لتجاذب أطراف الحديث عن المستجدات ، وإثارة بعض قضايا العصر والاستمتاع ببعض الطرائف والاخبار المحلية..

ويحدثنا( ديدرو) في مؤلفه جاك لوفا طاليست عن دور المقهى الذي يقوم مع مرور الزمن  بدور فعال  في الحياة الإجتماعية  والثقافية والسياسية ، وقد أعطى مثالا على ذلك باحدى المقاهي الفرنسيه حيث كان  يلتقي هواة السطرنج من مختلف عواصم اوروبا للتباري والاستمتاع ببراعة الاساتدة الاساتذه الدوليين في هذه اللعبة ، وكان المقهى أيضا فضاء خصبا لتفعيل العديد من القرارات السياسية الهامة  وتفقد الاحداث التي كانت تعرفها اوروبا في ذلك الوقت .

وحسب ما جاء على لسان الرواة العرب ، فإن المقهى في بداية نشأتها نشاتها كانت عبارة عن خيم تقام في الطرق المؤدية إلى الأسواق ، وكان العرب يقصدونها من أجل الإستراحة من عناء الطريق ، ويتناولون بعض الأطعمة والشاي والتسلي ببعض المنظومات الشعرية، قبل مواصلة الطريق ..  وفي الوقت الراهن يبدو أنه من الصعب إغفال الدور الترويحي والترفيهي الذي تلعبه المقهى في حياة الناس ، إلا أن ان موقعها ودورها بالإضافة الى وظيفتها الحيوية ، يطرح علينا مجموعه من التساؤلات تتمحور في الغالب حول استراتيجية المتوخات من وراء انتشارها المتزايد  في المغرب على وجه الخصوص ، ولعل الحديث هنا قد يطول بناء اذا اردنا توضيح موقف بعض الفقهاء   قديما من المقهى ولكن يكفينا الإشارة الى كون جل تلك المواقف كانت مطبوعة بالتحقير  نظرا لبعض السلوكات الشادة التي تعمل على تكريسها بعض المقاهي كما يرون ! ..

واذا كانت أول دار للقهوة ظهرت باليمن  حوالي 1480 فإن إبن  خلدون لا يكاد يذكر مثل ذلك بالنسبه للمغرب ، وبذلك يصعب علينا التحديد التاريخي للنشوء لأول مقهى ببلادنا مع العلم ان استهلاك شراب القهوة قد بدا منذ زمن بعيد جدا فعلى الرغم من فرض التجار الانجليز والهولنديين استهلاك الشاي على السلطان السعدي ، فإن حاشيته وباقي افراد الشعب ظلوا اوفياء للقهوة اليمنية .. ومهما يكن من أمر ،فإن  ظهور المقاهي جاءت في فترة متأخرة  من تطور الحضارة العربية  خاصة بالاندلس وعرفت إبان الحكم العثماني ازدهارا كبيرا في دور المغرب ، وغير خاف انه خلال مرحلة الكفاح الوطني ضد المستعمر الفرنسي لعبت المقهى دورا طلائعيا سواء بوصفها مكان لاجتماع المناضلين والمثقفين ، او باعتبارها مكانا لانطلاق العمليات المسلحة  استهدفت الاجانب بوجه الخصوص ،  ومع تنامي الهجرة القروية ، عرفت مقاهي المدن بصفة عامة عامة إنحطاطا  فعليا خاصة وأنها  أصبحت ملاذا لهؤلاء الفارين من جحيم الفاقة والاحتياج والبطالة .

ومع رحيل المستعمر امتدت المدينة الإسلامية القديمة   الى المجال الاوروبي ، غير انها بدلا من اجتيثات كل المظاهر التي كانت مميزة للمقهى الاوروبي ، حافظت على أهم مظاهرها العتيقة ..  ويبقى المقهى فضاء للعلاقات الاجتماعيه وفضاء اعلامي ومكون ابداعي ومكان لإضاعة الوقت  ، والبحث عن أرقان مربحة  في رهانات الخيل والكلاب ، ومكانا للعب الورق ، المقهى ايضا هي بمثابه مكاتب للسمسرة وعقد الصفقات ، ومناسبة للترويح عن النفس والتفنن في ابتكار اساليب النصب والاحتيال ، ومرتعا خصبا للنميمة ،  وآخر معقل المتقاعدين من هواة الضاما .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.