الحرب في الشرق الأوسط .. إعلان “القوة القاهرة” رسالة تحذيرية لأسواق الطاقة العالمية

 في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والاعتداءات الإيرانية التي باتت تستهدف المنشآت الحيوية في المنطقة وتعطيل الملاحة في ممرات استراتيجية كمضيق هرمز، أجبرت عدد من شركات الطاقة الكبرى الخليجية على إعلان حالة “القوة القاهرة”.
وفي مواجهة هذه المخاطر، يؤكد الخبراء أن اللجوء إلى تفعيل “القوة القاهرة” في مثل هذه الحالات ي عد أداة قانونية لحماية الشركات من الالتزامات التعاقدية التي يصبح تنفيذها مستحيلا بسبب ظروف خارجة عن السيطرة، خاصة في القطاعات الحساسة مثل النفط والغاز والتجارة الدولية.
وبرز ذلك مؤخرا عندما أعلنت شركة (قطر للطاقة)، حالة القوة القاهرة بعد قرارها وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به، وذلك بسبب هجوم عسكري إيراني على مرافقها التشغيلية في مدينتي راس لفان ومسيعيد الصناعيتين.
وقالت الشركة، في بيان يوم 4 مارس، إن ذلك يأتي عطفا على وقفها إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة ( اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم وغيرها)، مشيرة إلى أنها أخطرت عملاء المشتريات المتضررين بإعلان حالة القوة القاهرة.
ومع تطور الأوضاع توالت الإعلانات عن تفعيل حالة “القوة القاهرة”، حيث أفادت مؤسسة البترول الكويتية، في 7 مارس، تفعيل حالة القوة القاهرة في ظل التطورات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، وذلك بعد أن أعلنت في وقت سابق خفضا احترازيا في إنتاج النفط وعمليات التكرير، على خلفية الاعتداءات الإيرانية والتصعيد العسكري في المنطقة.
وفي 9 مارس الجاري أعلنت شركة “بابكو إنرجيز” البحرينية للطاقة، بدورها حالة القوة القاهرة على عمليات المجموعة المتأثرة بالأوضاع الراهنة نتيجة الاعتداءات الإيرانية المستمرة على المنطقة، والهجوم الغاشم الأخير الذي استهدف إحدى وحدات مصفاة شركة بابكو للتكرير التابعة للمجموعة.
وأوضحت الشركة، في بيان لها، أن احتياجات السوق المحلي كافة مؤمنة بالكامل وفقا للخطط الاستباقية الموضوعة، بما يضمن استمرارية الإمدادات وتلبية الطلب المحلي دون تأثر.
وتتوافق هذه الإعلانات مع تحذيرات كان أطلقها الوزير القطري لشؤون الطاقة سعد شريدة الكعبي، الذي قال إن الحرب في الشرق الأوسط قد “تؤدي إلى انهيار اقتصادات العالم”، متوقعا أن تضطر جميع الدول الخليجية المصدرة للطاقة إلى وقف الإنتاج خلال أسابيع، بما قد يدفع سعر النفط إلى 150 دولارا للبرميل.
وتابع الكعبي، لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، قائلا “نتوقع ممن لم يعلن القوة القاهرة أن يفعل ذلك في الأيام القليلة المقبلة إذا استمر هذا الوضع، فكل المصدرين في منطقة الخليج سيضطرون إلى إعلان القوة القاهرة، وإذا لم يفعلوا، فسيجدون أنفسهم في مرحلة ما أمام مسؤولية قانونية عن ذلك”.

 ما هي القوة القاهرة ومتى يحق إعلانها؟ 

ت عد القوة القاهرة من المفاهيم القانونية والاقتصادية المهمة في العقود، إذ تشير إلى حدوث ظروف استثنائية خارجة عن إرادة الأطراف المتعاقدة تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلا بشكل كامل أو مؤقت، وفي هذه الحالة ي عفى الطرف أو الأطراف من المسؤولية القانونية عن عدم تنفيذ بنود العقد، دون التعرض لغرامات أو تعويضات.
وي عرف قانون القوة القاهرة بأنه حدث غير متوقع، وخارجي، ولا يمكن دفعه أو تجنب آثاره حتى مع اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة. وإذا تحققت هذه الشروط، يمكن تعليق تنفيذ العقد أو إنهاؤه، بحسب طبيعة الحدث ومدى تأثيره.
وحسب خبراء القانون فإن اللجوء إلى هذا البند يتم عادة في حال توفرت عدد من الشروط أهمها : عدم التوقع: أن يكون الحدث (مثل الحرب أو إغلاق الممرات الملاحية) غير متوقع وقت توقيع العقود، واستحالة التنفيذ: أن يكون الحدث عائقا فعليا لا يمكن تجاوزه، مثل استهداف الموانئ أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية، وخارج الإرادة: أن يكون الحدث ناتجا عن عوامل خارجية لا علاقة للشركة بها، كالنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية.

 القوة القاهرة رسالة تحذيرية لأسواق الطاقة العالمية

وحسب تقارير إعلامية متخصصة فإن إعلان القوة القاهرة يصبح أداة قانونية ضرورية تسمح للدول والشركات بتجميد التزاماتها مؤقتا إلى حين استقرار الأوضاع. لكنه في الوقت نفسه يرسل إشارة قوية للأسواق العالمية بأن الأزمة لم تعد سياسية أو عسكرية فقط، بل تحولت إلى “أزمة طاقة محتملة” قد تعيد تشكيل التجارة العالمية وأسعار النفط والغاز.
وعليه، لا يقتصر التأثير القانوني للقوة القاهرة على تعليق الالتزامات التعاقدية فحسب؛ بل يمتد ليشكل محركا أساسيا لعدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، تتصاعد المخاوف في الأسواق العالمية من احتمال إعلان شركات طاقة أخرى في دول الخليج حالة “القوة القاهرة”، في ظل استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى توقف جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية خلال فترة قصيرة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تمثل فيه دول الخليج العربي أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، إذ تمتلك نحو 32.7 بالمائة من الاحتياطي النفطي العالمي، وتنتج مجتمعة قرابة 18 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 19 بالمائة من الطلب العالمي الذي يقترب من 99 مليون برميل يوميا.
كما تعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تستحوذ على نحو 20 بالمائة من تجارة الغاز المسال العالمية، ما يجعل أي اضطراب في صادراتها عاملا مؤثرا بقوة في أسواق الطاقة الدولية.
ويبدو أن الأفق يشوبه عدم اليقين في ظل الظروف الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، والتي أثرت على حركة الشحن وسلاسل الإمداد وتكاليف الطاقة.

ح/م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.