يعكس الاجتماع الرباعي الذي احتضنته إسلام آباد، بمشاركة وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر، تحركا دبلوماسيا متسارعا في ظل تصاعد التوتر المرتبط بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث تتجه هذه الدول إلى استكشاف إمكانية بلورة مبادرة سياسية تستهدف احتواء التصعيد وفتح نافذة للحوار.
وتفيد المعطيات المتوفرة، بأن هذا اللقاء الذي جاء عقب سلسلة مشاورات ثنائية أجراها وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار مع نظرائه، انصب على مناقشة مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران، في ظل قناعة متزايدة لدى الأطراف المشاركة بأن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء الأزمة، وأن المسار الدبلوماسي يظل الخيار الأكثر واقعية لتفادي توسع رقعة المواجهة.
وفي هذا الإطار، برزت اتصالات مباشرة مع الجانب الإيراني، حيث شدد دار خلال تواصله مع نظيره عباس عراقجي على ضرورة خفض التصعيد كمدخل لتحقيق استقرار دائم، وهو ما يعكس توجها نحو تهيئة شروط بناء الثقة بين مختلف الأطراف، ولو بشكل تدريجي.
ورغم التكتم الذي يحيط بتفاصيل جدول الأعمال، فإن مؤشرات ميدانية بدأت تبرز، توحي بإمكانية ترجمة هذه التحركات إلى خطوات عملية، من بينها ما تم تداوله بشأن نجاح باكستان في إقناع إيران بالسماح بمرور عدد من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، في خطوة تحمل أبعادا اقتصادية وأمنية، بالنظر إلى أهمية هذا الممر الحيوي في إمدادات الطاقة العالمية.
كما تندرج الإجراءات التي اتخذتها باكستان، من قبيل التعليق الجزئي للحظر التجاري مع إيران لمدة ثلاثة أشهر، والسماح بتصدير سلع غذائية نحوها ومنها إلى دول آسيا الوسطى، ضمن مسار موازٍ يروم تخفيف الضغوط الاقتصادية وخلق مناخ أكثر ملاءمة لأي مبادرة سياسية مرتقبة.
وبذلك، يبدو أن هذا الاجتماع الرباعي يشكل محاولة أولية لصياغة مقاربة إقليمية تقوم على الجمع بين التحرك الدبلوماسي والإجراءات الاقتصادية، في أفق بلورة مبادرة أوسع قد تسهم في خفض منسوب التوتر، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق اختراق سريع، في ظل تعقيدات المشهد وتشابك المصالح الدولية والإقليمية.
ومن جهة أخرى، تطرق الاعلام الأمريكي وخاصة منها صحيفة واشنطن بوست، الى عدة سيناريوهات ومعطيات متداولة في الإعلام الأمريكي، خاصة ما يتعلق بجدية الخيارات العسكرية التي تدرسها واشنطن في تعاملها مع إيران، اذا ما فشلت المفاوضات في باكستان، غير أن القراءة التحليلية لهذه المؤشرات تبرز أن الحديث لا يتعلق بغزو بري شامل، بقدر ما يرتبط بإمكانية تنفيذ عمليات محدودة وموضعية ذات أهداف دقيقة.
فالمعطيات المسربة من دوائر قريبة من البنتاغون تشير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في تدخلات خاصة تنفذها وحدات خاصة داخل التراب الإيراني، في إطار عمليات قصيرة الأمد تستهدف مواقع وشخصيات محددة، وهو نموذج سبق أن اعتمدته الولايات المتحدة في سياقات مختلفة، دون الانخراط في احتلال ميداني واسع.
وهذا التوجه يعكس إدراكا متزايدا لدى صناع القرار في واشنطن بأن الضربات الجوية، رغم كثافتها، قد لا تكون كافية لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى، خاصة إذا تعلق الأمر بإضعاف بنية نظام سياسي متماسك، الامر الذي يحتم .
نشر السفينة الهجومية البرمائية تتوفر على قدرة تنفيذ إنزالات محدودة ودعم العمليات الخاصة، حيث تضم على متنها نحو 3500 عنصر من مشاة البحرية والبحارة، ما يعزز فرضية الاستعداد لعمليات تدخل تكتيكي أكثر منه استراتيجي شامل. كما أن الحديث عن إمكانية إرسال ما لا يقل عن 10 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة يعكس توجها نحو تعزيز الجاهزية والردع، وليس بالضرورة التحضير لاجتياح بري واسع.
في المقابل، تكشف تصريحات مسؤولين أمريكيين، من بينهم ماركو روبيو، عن تباين داخل الإدارة الأمريكية نفسها، حيث يتم التأكيد رسميا على أن تحقيق الأهداف ممكن دون اللجوء إلى قوات برية، وهو ما يعكس حذرا سياسيا وعسكريا من الانزلاق إلى سيناريوهات مكلفة. ويزداد هذا الحذر بالنظر إلى التجارب السابقة، خاصة في العراق سنة 2003 وأفغانستان، حيث تحولت التدخلات العسكرية إلى حروب طويلة الأمد ذات كلفة بشرية ومادية مرتفعة.
من زاوية استراتيجية، فإن أي تدخل بري داخل إيران، حتى وإن كان محدودا، يظل محفوفا بتعقيدات كبيرة، بالنظر إلى طبيعة الجغرافيا الإيرانية واتساع رقعتها، إضافة إلى القدرات العسكرية غير التقليدية التي تمتلكها طهران، سواء عبر شبكاتها الإقليمية أو من خلال أدوات الرد غير المباشر. كما أن مثل هذا الخيار قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع إقليميا، بما يشمل ممرات حيوية كـمضيق هرمز، ويهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.
بناء على ذلك، يمكن القول إن ما يجري تداوله حاليا يندرج في إطار التحضير لخيارات متعددة، تتراوح بين الضغط العسكري المحدود والردع الاستباقي، دون أن يصل إلى مستوى قرار نهائي بخوض حرب برية شاملة. فالولايات المتحدة تبدو أقرب إلى إدارة التوازن بين إظهار القوة وتفادي الانخراط في مستنقع جديد، في ظل إدراكها أن كلفة المواجهة المفتوحة مع إيران قد تتجاوز بكثير مكاسبها المحتملة!.