تركيا على وقع الصدمة إثر حادثين متتاليين لإطلاق النار في المدارس

تعيش تركيا على وقع صدمة قوية، إثر حادثي إطلاق نار متلاحقين استهدفا مؤسستين تعليميتين بجنوب البلاد في غضون أقل من 24 ساعة، في واقعتين أعادتا إلى واجهة النقاش إشكالية تنامي العنف في الأوساط الناشئة، وتزايد انتشار الأسلحة غير المرخصة، فضلا عن مدى نجاعة السياسات العمومية المعتمدة لاحتواء هذه الظاهرة.

ففي إقليم كهرمان مرعش، ارتفعت حصيلة الهجوم المسلح الذي استهدف، أول أمس الأربعاء، إعدادية “آيسر تشاليك”، إلى تسعة قتلى و13 جريحا، وفق ما أعلنته السلطات.

وأوضح وزير الداخلية التركي، مصطفى شفتجي، أن الضحايا يشملون ثمانية تلاميذ وأستاذا واحدا، مشيرا إلى أن المصابين يتلقون العلاجات الضرورية بالمستشفيات.

وبحسب المعطيات الأولية، فإن منفذ الهجوم، وهو تلميذ يدرس بالمؤسسة، ولج إلى المدرسة وهو يحمل سلاحا ناريا، قبل أن يفتح النار بشكل عشوائي داخل أحد الفصول الدراسية، ثم انتقل إلى فضاءات أخرى داخل المؤسسة، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا في صفوف التلاميذ والأطر التربوية، وخلف حالة من الهلع والفوضى.

وفور وقوع الحادث، هرعت فرق الإسعاف والطوارئ إلى عين المكان، حيث تم نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة، في حين طوقت القوات الأمنية محيط المؤسسة، وشرعت في عمليات تمشيط واسعة، بالتوازي مع فتح تحقيق لتحديد ملابسات هذا الاعتداء ودوافعه.

وفي أعقاب ذلك، قررت السلطات المحلية تعليق الدراسة بجميع المؤسسات التعليمية في المدينة لمدة يومين، في إجراء يعكس حجم الصدمة التي خلفها هذا الحادث المأساوي.

ويأتي هذا الهجوم بعد يوم واحد فقط من واقعة مماثلة شهدها إقليم شانلي أورفا، حيث أقدم شاب في مقتبل العمر على اقتحام ساحة مؤسسة تعليمية مدججا بسلاح ناري، وأطلق النار بشكل عشوائي صوب التلاميذ والأطر التربوية، قبل أن يواصل اعتداءه داخل مرافق المؤسسة، وهو ما أسفر عن إصابة 16 شخصا بجروح متفاوتة الخطورة.

وقد تدخلت قوات الأمن بسرعة لتطويق المكان، فيما أقدم المهاجم على إنهاء حياته خلال عملية التدخل الشرطي.

ويضفي تواتر هذين الحادثين في ظرف وجيز طابعا استثنائيا على هذه الوقائع، في بلد تبقى فيه مثل هذه الهجمات نادرة نسبيا.

وأثارت هاتان الواقعتان مخاوف متزايدة من تنامي ما يعرف بظاهرة “تقليد السلوك العنيف”، خاصة في صفوف المراهقين، في ظل الحضور المتنامي لمشاهد العنف في الفضاءين الواقعي والرقمي. كما يعكس سن منفذي الهجومين تحولا مقلقا في طبيعة العنف، إذ أضحت فئات عمرية صغيرة تنخرط في أعمال بالغة الخطورة، امتدت هذه المرة إلى فضاءات يفترض أن تظل آمنة، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية.

وتشير معطيات رسمية إلى منحى تصاعدي في تورط القاصرين في قضايا جنائية، حيث تم تسجيل أكثر من 612 ألف حالة خلال سنة 2024، بزيادة تقارب 10 بالمائة مقارنة مع السنة السابقة، وهو ما يذكي المخاوف من تحول هذه الظاهرة إلى إشكال بنيوي يستدعي المقاربة والتحليل.

ويرى متابعون أن هذا التطور يرتبط بجملة من العوامل، من بينها الضغوط الاقتصادية، والهشاشة الاجتماعية، وصعوبات الاندماج في سوق الشغل، إلى جانب تأثيرات البيئة الرقمية التي تساهم في انتشار أنماط سلوكية عنيفة.

وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة عصابات الشباب، خاصة في المدن الكبرى مثل إسطنبول، حيث تعتمد هذه المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب المراهقين وتوجيههم نحو أنشطة إجرامية، من قبيل الاتجار بالمخدرات أو الانخراط في أعمال عنف.

ويعد الانتشار الواسع للأسلحة غير المرخصة من أبرز العوامل التي تغذي هذه الظاهرة، إذ تشير تقديرات إلى أن عددها يفوق بكثير الأسلحة القانونية، كما أن نسبة كبيرة من الجرائم المرتبطة بإطلاق النار ترتكب باستخدام أسلحة غير قانونية.

وأمام هذا الوضع، كثفت السلطات التركية حملاتها الأمنية، حيث تم حجز عشرات الآلاف من الأسلحة غير المرخصة وتفكيك شبكات إجرامية، إلى جانب تشديد المراقبة على تداول السلاح.

وبموازاة ذلك، تعمل الحكومة على إعداد حزم تشريعية جديدة تروم تشديد العقوبات المرتبطة بجرائم القاصرين، خاصة تلك التي تستغل فيها العصابات الأطفال بسبب الأحكام المخففة، مع التوجه نحو تقليص بعض الامتيازات المرتبطة بسن الجناة أثناء تنفيذ العقوبات.

كما تهدف هذه الإصلاحات إلى الحد من ظاهرة الإفلات من العقاب، من خلال تمكين القضاء من آليات أكثر صرامة في التعامل مع الجرائم الخطيرة التي يرتكبها القاصرون أو التي يتم فيها توظيفهم من قبل شبكات إجرامية.

وفي المقابل، تؤكد السلطات على أهمية اعتماد مقاربة وقائية موازية، ترتكز على برامج إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي للقاصرين الجانحين، مع إيلاء أهمية خاصة لدور الأسرة، باعتبارها الحلقة الأولى في الوقاية من الانحراف.

كما تم اعتماد مقاربة متعددة القطاعات تشمل وزارات العدل والأسرة والتربية الوطنية، بهدف تحليل الأسباب العميقة لانحراف القاصرين ووضع سياسات عمومية مبنية على معطيات دقيقة.

وفي السياق ذاته، يواصل البرلمان التركي دراسة هذه الظاهرة من خلال لجان متخصصة، من بينها لجنة تعنى بالأطفال المدفوعين إلى الجريمة، سعيا إلى بلورة حلول شمولية تجمع بين الردع والوقاية.

ومع توالي هذه الأحداث المأساوية، يجمع الفاعلون في المشهد التركي على أن المقاربة الأمنية والزجرية، رغم ضرورتها، تظل غير كافية ما لم تصحب برؤية سوسيولوجية وتربوية شاملة. فالتحدي اليوم يتجاوز مجرد ضبط الأسلحة أو تشديد العقوبات، ليشمل تحصين المنظومة التعليمية وضمان أمن الفضاءات العامة، في معركة تضع استقرار المجتمع وتماسك أجياله القادمة على المحك، أمام ظواهر عابرة للحدود أضحت تقض مضجع كبريات الحواضر العالمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.