المعرض الدولي للنشر والكتاب .. مسؤولون وخبراء يبرزون أدوار القضاء والنيابة العامة في حماية الاستثمار وضبط المنافسة
نظمت، اليوم الأحد، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، ندوة علمية احتضنها الرواق المشترك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ناقشت قضايا العدالة والاستثمار، بحضور نخبة من المسؤولين والخبراء الأكاديميين.
وفي هذا الصدد، أكد موح خويا، رئيس المحكمة الابتدائية التجارية بأكادير، أن الاستثمار هو الركيزة الأساسية للحركية الاقتصادية وخلق الثروة وفرص الشغل، مما يتطلب بيئة تشريعية وقضائية ناجعة تضمن التطبيق السريع والفعال للقانون، موضحا أن المستثمر لا يمكنه المغامرة بأمواله إلا في ظل وجود قضاء متخصص يضمن حماية حقوقه وأمواله سواء كان دائنا أو مدينا، فالتشريع الحديث، وخاصة الكتاب الخامس من مدونة التجارة، ص مم بمقتضياته التسعة ليخاطب المستثمر ويحميه من تقلبات السوق.
وأبرز أن المشرع اعتمد مبدأ التدرج في المساطر لحماية المقاولة المستثمرة، بدءا من الوقاية الداخلية التي تتسم بالسرية التامة التي تهدف إلى تمكين المقاولة من علاج اختلالاتها دون التأثير على سمعتها أمام الموردين أو المؤسسات البنكية، وفي حال تفاقم الصعوبات، يتم الانتقال إلى الوقاية الخارجية تحت إشراف رئيس المحكمة، الذي يمكنه تعيين وكيل خاص أو مصالح لرفع الاعتراضات وتسهيل الاتفاق مع الدائنين .
وفي مرحلة التوقف عن الدفع، يضيف السيد موح خويا، تبرز مسطرة التسوية القضائية كآلية لحماية استمرارية النشاط، حيث ي منع فسخ العقود الجارية أو قفل الحسابات البنكية، كما استعرض المشرع آليات تحفيزية كمنح الامتياز لمن يمول المقاولة خلال هذه المرحلة، مما يضمن استيفاء ديونهم بالأسبقية . وختم بالتأكيد على انفتاح المغرب على المساطر العابرة للحدود لتعزيز الأمن القانوني في ظل التوجه الأفريقي والدولي للمقاولات المغربية .
من جهتها، قالت سميرة زرود، نائبة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التجارية بمراكش، إن غاية الحكامة القضائية هي ضمان حقوق المستثمر وحماية استثماره عن طريق التطبيق السليم للنصوص القانونية والشفافية في حل النزاعات بطريقة عادلة لا تمييز فيها، موضحة أن الحكامة القضائية هي الطريقة التي يدير بها القاضي عمله وسلطته داخل المحكمة بما يحقق العدالة والفعالية ويعزز ثقة المستثمر في المؤسسة القضائية.
وأبرزت أن حكامة القاضي التجاري تتجلى في ثلاثة محاور أساسية تهم حماية الشريك داخل الشركات التجارية، وترسيخ حماية الملكية الصناعية، وحكامة القاضي في حماية أطراف الخصومة التحكيمية كبديل فعال لحل النزاعات، ويتدخل القضاء التجاري لدعم هذه المسطرة من خلال حل الصعوبات المتعلقة بتشكيل الهيئة التحكيمية، أو البت في تجريح المحكمين، وصولا إلى تذييل الأحكام التحكيمية بالصيغة التنفيذية أو البت في دعاوى البطلان، وختمت بالتأكيد على أن الحكامة القضائية الجيدة تخلق نظاما قضائيا قويا يمنح المستثمر اليقين القانوني ويحميه من مخاطر المقررات المتناقضة.
من جانبه، شدد محمد محبوبي، المستشار بديوان رئيس النيابة العامة، على ارتباط التنمية الاقتصادية بشكل وثيق بمدى حماية الدولة لحقوق الملكية الفكرية والصناعية، معتبرا أن انتشار التزييف والقرصنة والمنافسة غير المشروعة تشكل معوقات حقيقية تعطل جلب الاستثمار، موضحا أن النيابة العامة تضطلع بدور محوري في تشجيع الاستثمار عبر حماية النظام العام الاقتصادي وضمان المنافسة الشريفة وتوفير الأمن القضائي، وهو ما تضمنته دورية رئاسة النيابة العامة الصادرة في يناير 2020، والتي تهدف إلى تحفيز المبدعين وخلق قاعدة تكنولوجية متطورة تدفع بعجلة النمو .
وأبرز أن طبيعة تدخل النيابة العامة في مجال الملكية الصناعية تتخذ صورتين؛ إما بناء على شكاية من أصحاب الحقوق المتضررين لزوما لإقامة الدعوى العمومية، أو تلقائيا في حالات محددة تتعلق بمخالفة النظام العام والآداب العامة، أو في جرائم التزييف والتقليد المرتبطة بالعلامات التجارية، مشيرا إلى أن المشرع منح النيابة العامة صلاحيات واسعة للتدخل التلقائي عند وجود اختراعات أو رسوم ونماذج تخالف الثوابت الوطنية أو النظام العام، مثل الشارات التي تمس بصورة جلالة الملك أو الرموز الوطنية.
وفي ما يخص الدور الفعلي، يضيف السيد محمد محبوبي، فإن النيابة العامة تمارس مهاما ضبطية وتنفيذية حاسمة، تبدأ من المطالبة ببطلان تسجيل العلامات المخالفة، وصولا إلى الإشراف على عمليات الحجز عند الاستيراد للمنتجات التي تحمل علامات مزيفة بناء على أوامر قضائية، مشددا على العلاقة الوطيدة بين النيابة العامة والشرطة القضائية في إجراء الأبحاث والتحريات وتفتيش الأماكن المعدة لارتكاب هذه الجرائم، وختم بالتأكيد على أن جهاز النيابة العامة يسهر على تنفيذ المقررات القضائية القاضية بإتلاف المواد المقلدة، تكريسا لعدالة اقتصادية حقيقية تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية الرامية لجعل المقاولة رافعة للتنمية.
واعتبر مراد فضيل، مدير بمديرية الدراسات والبحث القانوني بالأمانة العامة للحكومة، أن التحكيم والوسائل البديلة لحل المنازعات أصبحت خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه لتحقيق الأمن القانوني ذي القيمة الدستورية، ولبناء الثقة اللازمة لدعم النمو وتأمين الاستثمارات، مضيفا أن هذا المسار تعزز بفضل التطور التشريعي الذي توج بالقانون رقم 95.17، وبتوجيهات ملكية سامية جعلت من تحسين أداء القضاء مرتبطا بتطوير هذه الوسائل.
وأشار السيد الفضيل إلى أن ممارسة التحكيم في العقود العامة تكتنفها بعض الجوانب الغامضة أو الإكراهات المرتبطة بالقواعد غير المكتوبة، خاصة في النزاعات العابرة للحدود التي تثير إشكالات حول التنازل عن حصانة التنفيذ، واختيار القانون واجب التطبيق، وتأويل مفاهيم معقدة مثل نزع الملكية غير المباشر.
وأكد سمير الستاوي، رئيس وحدة دراسة وتحليل وتتبع تقارير تقييم الأداء بالنيابات العامة لدى المحاكم برئاسة النيابة العامة، أن دور النيابة العامة انتقل من المفهوم التقليدي المقتصر على حماية الحق العام والحريات، ليشمل المساهمة في تكريس الأمن القانوني والقضائي للفاعلين الاقتصاديين عبر حماية “النظام العام الاقتصادي”.
واعتبر أنه ورغم عدم وجود تعريف دولي موحد لهذا المفهوم، إلا أن الفقه يميز فيه بين شقين، أي النظام العام الحمائي الذي يروم حماية المصالح الخاصة كالمستهلك ويترتب على مخالفته البطلان النسبي، والنظام العام التوجيهي الذي يهدف لحماية المتطلبات الأساسية للاقتصاد الوطني ويؤدي خرقه إلى البطلان المطلق.
وأضاف أن النيابة العامة تتدخل في المنازعات التجارية كطرف أصلي أو منضم، حيث كرس القضاء ضرورة إحالتها على النيابة العامة في حالات محددة كعوارض الزور الفرعي، معتبرا إياها إجراء جوهريا لا يمكن إصلاحه في الاستئناف، مضيفا أنه على مستوى الحصيلة، حققت النيابة العامة نتائج متميزة سنة 2025؛ حيث ارتفعت طلبات فتح مساطر صعوبات المقاولة إلى 177 طلبا بزيادة 10 في المائة مقارنة بسنة 2024، كما تضاعفت طلبات تحميل المسؤولية للمسيرين لتصل إلى 47 طلبا، وشملت الجهود أيضا إحالة 19 تقريرا يخص جرائم التفالس، وتقديم 188 ملتمسا كتابيا نوعيا يهدف إلى تجويد الأحكام القضائية بما يتلاءم مع رؤية المشرع المغربي في توفير مناخ ملائم للاستثمار.
من جانبه، أكد روشام طاكي، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المنافسة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية تشمل النمو الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، وتخصيص الموارد، مبرزا أن “شفافية السوق” انتقلت من كونها مجرد ضمانة لحسن سير المنافسة لتصبح ركيزة أساسية للنظام العام الاقتصادي، حيث تهدف إلى تمكين المستهلك من الاختيار الواعي ومنع تحول الحرية الاقتصادية إلى هيمنة أو احتكار، فالشفافية، التي تشمل الأسعار وشروط التعاقد والمعلومات التجارية، تضمن أن يعكس السعر الحقيقة الاقتصادية بعيدا عن الممارسات المصطنعة أو التواطؤات السرية التي تضر بالسلم الاجتماعي.
وأضاف أن ضبط الممارسات المقيدة للمنافسة يواجه تحديات عملية رغم وجود الإطار القانوني (القانون رقم 104.12)، مثل تمركز الأسواق وعدم تماثل المعلومات بين الفاعلين، ودعا من أجل تعزيز هذه الشفافية، إلى تقوية الإفصاح عن مكونات الأسعار، ودعم الرقمنة، وتوسيع صلاحيات التحقيق.
كما أوصى بـ”إعادة إحياء مؤسسة الحسبة” بروح عصرية، لأنه بينما تحمي قوانين المنافسة حرية السوق، تعمل الحسبة على حماية “أخلاق السوق”، مؤكدا أن استقامة النشاط الاقتصادي تتطلب تكاملا حتميا بين القواعد القانونية والقيم الأخلاقية.

التعليقات مغلقة.