لم تكن موجة الغضب التي اجتاحت أسواق أضاحي العيد هذه السنة مجرد رد فعل ظرفي على ارتفاع الأسعار، بل تحولت إلى نقاش عمومي واسع كشف حجم الهوة بين المعطيات الرسمية وواقع السوق، وأعاد إلى الواجهة أسئلة التدبير والتوقع والمراقبة داخل قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالقدرة الشرائية للمغاربة وبمناسبة دينية ذات حمولة رمزية واجتماعية كبيرة.
فمنذ الأيام الأولى لفتح أسواق بيع الأضاحي، تصاعدت أصوات الاحتجاج والتذمر في مختلف المدن، بالتزامن مع تداول صور وفيديوهات توثق لأسعار وصفت بالخيالية، في وقت كانت فيه الحكومة تؤكد وجود وفرة كافية من القطيع الوطني. وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء مفتوح للنقاش والسخرية والانتقاد، بينما خصصت الصحف والمنصات الإلكترونية حيزاً واسعاً لتحليل أسباب هذا الارتفاع غير المسبوق، خاصة أن الموسم الحالي يأتي بعد سنة مطيرة وتحسن واضح في ظروف الرعي، وبعد الإجراءات التي اتخذتها الدولة لدعم القطاع.
في قلب هذه العاصفة، وجد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، نفسه تحت ضغط سياسي وشعبي متزايد، عقب تصريحه داخل البرلمان بأن أسعار أضاحي العيد تبدأ من 1000 درهم فما فوق. التصريح أثار موجة تشكيك واسعة، ليس فقط داخل المؤسسة التشريعية خلال الجلسة الشفوية الاسبوع الماضي، بل أيضاً لدى المواطنين الذين كانوا يتابعون الأسعار في الأسواق بشكل يومي. وبعد أجواء التوتر والتراشق التي شهدتها الجلسة ، عاد الوزير ليصحح تصريحه، مؤكداً أن الأسعار تبدأ من 2000 درهم، مع تشديده على أن العرض يفوق الطلب، مستنداً إلى معطيات تفيد بأن المغرب يتوفر على أكثر من 30 مليون رأس من الأغنام، في مقابل طلب لا يتجاوز 7 ملايين رأس، وهي الأرقام التي سبق أن تحدث عنها رئيس الحكومة داخل البرلمان.
غير أن ما جرى ميدانياً كشف عن مفارقة واضحة بين الأرقام الرسمية وواقع السوق، فبدل أن تمتلئ الأسواق بالأضاحي، امتلأت بالمواطنين الباحثين عن أثمنة مناسبة دون جدوى وفي الاخير كانو يبحثون عن “خروف العيد”، حيث استمرت الأسعار في الارتفاع إلى مستويات لم تشهدها حتى سنوات الجفاف التي لم تكن خلالها الدولة قد تدخلت بالدعم أو بتسهيلات الاستيراد كما حدث هذا الموسم، وهنا بدأ يتعزز الانطباع لدى شريحة واسعة من الرأي العام بأن الوزير تلقى معطيات غير دقيقة، أو أن التقديرات التي بني عليها الخطاب الرسمي لم تكن تعكس حقيقة السوق وتعقيداته.
فالأزمة في جوهرها لم تكن فقط أزمة ثمن، بل أزمة ثقة أيضاً، لان المغاربة كانوا ينتظرون انفراجاً نسبياً هذا العام، خاصة بعد القرار الملكي خلال السنة الماضية، حين ناب أمير المؤمنين عن شعبه في شعيرة الأضحية بسبب تداعيات الجفاف ونقص القطيع الوطني. لذلك، كان الاعتقاد السائد هو أن تحسن التساقطات المطرية وتوفير الأعلاف وعمليات الدعم ، ستساهم في استقرار الأسعار، غير أن الواقع سار في اتجاه مغاير تماما.
كما كشفت هذه الأزمة محدودية المقاربة التقنية القائمة فقط على الأرقام والمؤشرات العامة، دون الانتباه إلى سلوك السوق ومسالك التوزيع وهيمنة الوسطاء والمضاربين، فوجود ملايين الرؤوس من الأغنام لا يعني بالضرورة وفرة فعلية في الأسواق بأسعار مناسبة، إذا كانت سلاسل التسويق غير مضبوطة، أو إذا كانت المضاربة قادرة على التحكم في الأسعار وتحويل الطلب الموسمي إلى فرصة للربح السريع.
وما حصل للوزير، شبيه بقصة “مرشح للانتخابات” ، الذي نظم مأدبة فاخرة ليلة انتهاء حملته الانتخابية، بعدما ذبح ثورا واستضاف المئات من سكان دائرته، قبل أن يكتشف يوم الاقتراع أنه لم يحصل سوى على صوته الشخصي!، القصة، وإن بدت ساخرة، تحمل دلالة سياسية عميقة: “حين تبنى القرارات والتقديرات على حسابات خاطئة أو على معطيات غير دقيقة، تكون النتيجة صادمة!”.
وهذا ما يبدو أنه حدث في ملف أضاحي العيد لهذه السنة، فالوزير أحمد البواري وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع غضب الشارع، بعدما اصطدمت التصريحات الرسمية بواقع الأسواق، ومن المرجح أن تبقى أزمة الأضاحي لسنة 2026 واحدة من أبرز المحطات المثيرة للجدل في حصيلة تدبيره القطاعي، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، بل لأنها كشفت هشاشة منظومة التوقع والتواصل والمراقبة، لتعيد طرح سؤال جوهري حول مدى قدرة السياسات العمومية على حماية القدرة الشرائية للمواطنين في المناسبات الاجتماعية والدينية الكبرى؟!.


