في انتظار 23 شتنبر 2026.. هل ستصبح “الحرباء السياسية”.. العنوان الأبرز للموسم الانتخابي؟!

مع إعلان عدد من الأحزاب السياسية عن أسماء مرشحيها لخوض الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، بدأت موجة جديدة من الترحال السياسي تطفو على السطح، بعدما وجد عدد من المنتخبين والقيادات الحزبية أنفسهم خارج دائرة التزكيات،  أو أمام محاولات لإبعادهم من المشهد السياسي داخل تنظيماتهم، ولم يكن أمام بعضهم سوى البحث عن ملاذ سياسي جديد داخل أحزاب أخرى مستعدة لاحتضانهم، ولو على حساب الانسجام الفكري أو التاريخ النضالي الذي ظلوا يتغنون به لسنوات!.

ورغم أن الترحال السياسي يظل ظاهرة ملازمة لكل محطة انتخابية، فإن ما يميز المرحلة الحالية هو أن الأمر لم يعد يقتصر على انتقال أفراد من حزب إلى آخر، بل تحول إلى ما يشبه عملية “إعادة صباغة للألوان السياسية”، حيث تتغير المواقع والانتماءات بسرعة لافتة، سواء بشكل فردي أو جماعي، بحثا عن تزكية مضمونة أو دائرة انتخابية أكثر أمانا أو موقع متقدم داخل الخريطة السياسية المقبلة.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تنشغل الأحزاب بإعداد برامجها واختيار النخب القادرة على مواكبة تحديات المرحلة المقبلة وما يوصف بـ”حكومة المونديال”، تحولت بعض الساحات الحزبية إلى فضاءات للصراع حول التزكيات والمواقع الانتخابية. وأصبحت المصالح الشخصية والحسابات الانتخابية الضيقة تتقدم على المبادئ والأفكار والأيديولوجيات التي تأسست عليها الأحزاب في السابق!، حتى بات الانتماء الحزبي لدى البعض ، مجرد وسيلة للتموقع وليس قناعة سياسية أو مشروعا مجتمعيا.

وفي هذا السياق، دخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد انتخاب محمد شوكي رئيسا للحزب، مرحلة جديدة لا تخلو من التحديات التنظيمية. فقد شهدت بعض التنظيمات المحلية والإقليمية حالة من التوتر وعدم الرضا، كان أبرز تجلياتها الاستقالة الجماعية التي عرفتها “جماعة” الرباط بقيادة عمدة المدينة فتيحة المودني، وهي خطوة اعتبرها المتتبعون،  مؤشرا على أن مرحلة ما بعد القيادة السابقة لن تكون سهلة كما كان يعتقد البعض!.

ويجد الحزب، الذي يقود الحكومة الحالية، نفسه أمام معادلة معقدة تتمثل في تدبير طموحات عدد من المنتخبين والأعيان الذين اعتادوا خوض الاستحقاقات الانتخابية لسنوات طويلة، في الوقت الذي يسعى فيها “المتحكمون” جعل هذه المرحلة حدا لبعض “الطامحين!”،  كما أن غياب شخصيات ذات حضور تنظيمي وكاريزمة سياسية قادرة على احتواء الخلافات يزيد من صعوبة المرحلة ويغذي حالة الترقب داخل عدد من الهياكل الحزبية.

أما داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فتبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالحزب يعيش منذ أشهر على وقع نقاشات داخلية حادة وخلافات لم تظهر كلها إلى العلن، حيث زادت من حدتها تداعيات بعض الملفات التي أثارت جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا، سواء تلك المرتبطة بقضية “إسكوبار الصحراء” التي أطاحت بعدد من القيادات الحزبية، أو الجدل الدائر حول بعض الملفات العقارية المرتبطة بمدينة مراكش، والتي وضعت المنسقة الوطنية للحزب فاطمة الزهراء المنصوري في قلب سجال سياسي وإعلامي متواصل.

وموازاة مع ذلك، تتحدث أوساط سياسية عن تنافس غير معلن حول امكانية تغيير “الزعامة ” قبل الاستحقاقات المقبلة، في ظل بروز طموحات لدى بعض القيادات الشابة التي ترى نفسها مؤهلة لقيادة المرحلة، فرغم أن هذه الصراعات لا تظهر دائما في الواجهة، فإنها تساهم في رسم صورة توحي بوجود تباينات داخلية وتيارات مختلفة تراقب المشهد في انتظار اللحظة المناسبة لإعادة ترتيب الأوراق، الامر الذي يمكن له ان يغير مسار الحزب!.

أما حزب الحركة الشعبية، فقد وجد نفسه بدوره في قلب نقاشات تنظيمية وسياسية متزايدة، خصوصا بعد انتقال الخلاف بين مصطفى لخصم وقيادة الحزب من المجال السياسي إلى المجال القضائي. وأصبحت المحاكم فضاء لتدبير نزاع بين قياديين يفترض أن تجمعهما المؤسسات الحزبية وآليات الحوار الداخلي، واستقطاب أسماء انتخابية معروفة من أحزاب أخرى، مقابل مغادرة قيادات وازنة نحو وجهات سياسية مختلفة، من بينها انتقال إدريس السنتيسي نحو حزب الاستقلال، فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول مستقبل التوازنات الداخلية للحزب وقدرته على الحفاظ على أطره وقياداته التاريخية، على قلتها، وتزداد هذه التساؤلات مع استمرار الحديث عن “تحكم البعض”  في دواليب القرار التنظيمي وما يرافق ذلك من اتهامات بالإقصاء وتضييق المجال أمام الأصوات المخالفة.

ولا يقتصر الأمر على هذه الأحزاب فقط، فعددا من التشكيلات السياسية الأخرى تعيش بدورها على وقع صراعات صامتة حول التزكيات. وهناك مناضلون أمضوا سنوات طويلة داخل أحزابهم، لكنهم يجدون أنفسهم فجأة خارج الحسابات الانتخابية لصالح وافدين جدد أو أعيان يمتلكون القدرة على حشد الأصوات والموارد المالية، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول معايير الاختيار داخل بعض التنظيمات.

وهنا تبرز صورة “الحرباء السياسية” بكل وضوح!، فكما تغير الحرباء لونها للتكيف مع محيطها، يغير بعض السياسيين مواقعهم وانتماءاتهم وخطاباتهم تبعا للظرف الانتخابي. فمن كان بالأمس مدافعا شرسا عن حزب معين قد يتحول اليوم إلى أحد أشد منتقديه بمجرد فقدان فرصة التزكية، قبل أن يظهر بعد أسابيع مرتديا لونا سياسيا جديدا ومدافعا عن خطاب مختلف تماما.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس انتقال الأشخاص بين الأحزاب، فذلك حق يكفله القانون، وإنما الرسالة السلبية التي تصل إلى المواطنين عندما يتحول الانتماء الحزبي إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب والامتيازات الشخصية، بدل أن يكون تعبيرا عن قناعة سياسية ومشروع مجتمعي واضح. وهي صورة تساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة في العمل الحزبي وتغذية العزوف الانتخابي، خاصة لدى فئات واسعة من الشباب.

ومع اقتراب موعد 23 شتنبر 2026، تبدو الأحزاب المغربية أمام امتحان سياسي حقيقي. فإما أن تنجح في تدبير خلافاتها الداخلية وفق قواعد الديمقراطية والشفافية والاستحقاق، وإما أن تتحول إلى ساحات مفتوحة لصراع الطامحين إلى التزكيات، حيث تختلط الألوان وتضيع الحدود بين المبادئ والمصالح، لتصبح الحرباء السياسية بالفعل العنوان الأبرز للموسم الانتخابي المقبل.

ح.ح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.