د.الحسن عبيابة: الحكومة أخلفت وعد الدولة الاجتماعية.. والتعليم والشغل والصحة ابتلعها “مثلث برمودا !”

في خرجة سياسية لافتة ضمن برنامج “ديكريبتاج”، قدم الحسن عبيابة، وزير الثقافة والشباب والرياضة والناطق الرسمي باسم الحكومة سابقا، ونائب الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، قراءة نقدية لتجربة حكومة عزيز أخنوش، موضحا الخلفيات التي دفعت حزبه إلى تبني موقع سياسي خاص، لا هو بالأغلبية الحكومية ولا بالمعارضة التقليدية، بل في خانة “المساندة النقدية” التي تجمع بين دعم التوجهات الإيجابية وانتقاد الاختلالات المسجلة في التدبير الحكومي.

واضاف عبيابة، بان هذا الموقف يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى أن الاتحاد الدستوري كان من بين الأحزاب التي وجدت نفسها بعد انتخابات 2021 أمام خيارين:  إما الانضمام إلى الأغلبية أو الاصطفاف في المعارضة ، غير أن الحزب اختار موقعا ثالثا اعتبره أكثر انسجاما مع قناعاته السياسية، مفضلا ما وصفه بـ”مصلحة الوطن” على حساب البحث عن حقائب وزارية أو مواقع داخل السلطة التنفيذية.

ويرى نائب الامين العام لحزب “الحصان”،  أن البرنامج الحكومي عند انطلاق الولاية كان يحمل مؤشرات واعدة، بل إن أغلب الفاعلين السياسيين استقبلوه بقدر كبير من التفاؤل، بالنظر إلى الطموحات التي رفعها في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. غير أن هذا التفاؤل بدأ يتراجع تدريجيا بعد مرور السنتين الأوليين من عمر الحكومة، حيث اتسعت الهوة بين الوعود المعلنة والنتائج المحققة، خاصة في القطاعات الاجتماعية التي تشكل جوهر مفهوم الدولة الاجتماعية.

ويؤكد القيادي في الاتحاد الدستوري أن مفهوم الدولة الاجتماعية لا يقتصر على تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، بل يشمل أيضا ملفات التشغيل والتقاعد والقدرة الشرائية، وهي المجالات التي يعتبر أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي مقارنة مع حجم الانتظارات التي خلقتها الحكومة لدى المواطنين. ومن هذا المنطلق، يرى أن الخطاب الحكومي حول الدولة الاجتماعية بقي جزئيا ولم يلامس جميع الأبعاد التي تؤسس فعلا لعدالة اجتماعية حقيقية.

كما وجه عبيابة انتقادات مباشرة للسياسات الاقتصادية المرتبطة بالدعم العمومي، معتبرا أن الانتقال من نظام المقاصة الذي كانت كلفته في حدود 40 مليار درهم إلى برامج دعم مباشر وغير مباشر قاربت كلفتها 200 مليار درهم، لم ينعكس بالشكل المطلوب على الوضع المعيشي للمواطنين. وفي نظره، فإن تقييم السياسات العمومية يجب أن يتم انطلاقا من أثرها الملموس على القدرة الشرائية وعلى تحسين الظروف الاجتماعية للفئات المستهدفة، وليس فقط من خلال حجم الاعتمادات المالية المرصودة لها.

وفي المقابل، حرص القيادي والوزير السابق،  على التمييز بين المجالات التي يعتبرها ناجحة وتلك التي يرى أنها تعاني من تعثر واضح. فالحزب، بحسب قوله، رحب بعدد من الأوراش الكبرى المرتبطة بالاستثمار والبنيات التحتية وبعض الإصلاحات التشريعية، لكنه يسجل بالمقابل إخفاقا في ما أسماه “مثلث التنمية”، المتمثل في التعليم والشغل والصحة، وهي القطاعات التي تشكل العمود الفقري لأي نموذج تنموي ناجح.

واستعمل عبيابة توصيفا لافتا حين شبه هذه القطاعات بـ”مثلث برمودا”، في إشارة إلى أن جزءا مهما من الوعود والطموحات الحكومية اختفى داخلها دون أن يتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. فالتعليم لا يزال يواجه تحديات بنيوية، وسوق الشغل يعاني من صعوبات متزايدة في خلق فرص العمل، فيما يبقى قطاع الصحة أمام اختبارات كبيرة لضمان الولوج العادل والجيد إلى الخدمات الصحية.

وعلى المستوى الحزبي، رفض عبيابة الأطروحات التي تتحدث عن تراجع الوزن السياسي للاتحاد الدستوري، مؤكدا أن الحزب يستمد مرجعيته من الليبرالية الاجتماعية التي تقوم على تكافؤ الفرص في التعليم والاستثمار والشغل، وهي قيم يعتبر أنها تشكل جوهر العدالة الاجتماعية المعمول بها في عدد من الديمقراطيات الأوروبية. وأضاف أن الليبرالية التي يدافع عنها الحزب ليست ليبرالية اقتصادية متوحشة، بل رؤية توازن بين حرية المبادرة والإنصاف الاجتماعي.

وتعكس مواقف عبيابة، في العمق، محاولة الاتحاد الدستوري إعادة تموقعه داخل المشهد السياسي المغربي قبيل الاستحقاقات المقبلة، عبر تقديم نفسه كقوة سياسية مستقلة عن الاستقطاب التقليدي بين الأغلبية والمعارضة، وقادرة على دعم ما تراه إيجابيا وانتقاد ما تعتبره إخفاقا.

غير أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطا بقدرة الحزب على تحويل هذا الخطاب إلى مشروع سياسي واضح ومقنع، خاصة في ظل احتدام المنافسة الحزبية واقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة!، وفيما يلي المقتطف الاخيرمن اللقاء عن المصدر:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.