“الترياش” داخل الأغلبية بدأ مبكرا.. فهل يمهد الطريق لقيادة جديدة بعد 23 ستمبر للوصول الى ما بعد مونديال 2030؟!

لم يمر الخطاب الأخير لرئيس حزب التجمع الوطني للأحرار “الجديد”، بمدينة فاس مرور الكرام، ليس فقط بسبب حجم الوعود الاجتماعية والاقتصادية التي تضمنها، بل لأن هذه الوعود صدرت عن حزب يوجد في قلب السلطة التنفيذية منذ سنوات طويلة، وعن تنظيم سياسي لا يمكنه تقديم نفسه اليوم باعتباره قوة معارضة أو حزبا يطمح لأول مرة إلى تدبير الشأن العام.

فالتجمع الوطني للأحرار يقود الحكومة منذ انتخابات 2021،  برئاسة عزيز اخنوش والرئيس السابق لحزب “الحمامة”، أي أنه أمضى خمس سنوات كاملة على رأس السلطة التنفيذية، وهي مدة كافية للحكم على السياسات العمومية التي تم اعتمادها وعلى مدى نجاحها في تحقيق الأهداف التي رفعتها الأغلبية الحكومية عند بداية ولايتها،  كما أن الحزب لم يظهر فجأة في المشهد الحكومي سنة 2021، بل ظل حاضرا بقوة داخل الحكومات المتعاقبة من خلال حقائب استراتيجية مؤثرة في الاقتصاد والاستثمار والفلاحة والصناعة والمالية، ما جعله شريكا أساسيا في صناعة القرار العمومي لسنوات طويلة.

ويكتسي هذا المعطى أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بعزيز أخنوش، الذي قاد الحزب والحكومة خلال السنوات الماضية، بعدما شغل منصب وزير الفلاحة والصيد البحري لمدة قاربت خمسة عشر عاما، وهي فترة طويلة جعلته أحد أكثر المسؤولين الحكوميين حضورا واستمرارية في تدبير قطاع استراتيجي يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي للمغاربة وبالإنتاج الفلاحي وأسعار المواد الأساسية وسلاسل التسويق والتوزيع.

لذلك فإن المواطن الذي استمع إلى الوعود الجديدة لـ”الرئيس الجديد” المتعلقة بتحسين القدرة الشرائية والرفع من الأجور والمعاشات وربط الدعم الاجتماعي بمعدلات التضخم، لا ينظر إليها باعتبارها مجرد تصورات للمستقبل، بل يربطها تلقائيا بحصيلة الماضي القريب. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت هذه الحلول متاحة وقابلة للتنفيذ، فلماذا لم يتم تنزيلها خلال السنوات التي كان فيها الحزب يتولى قيادة الحكومة أو يشارك في تدبير القطاعات الأكثر ارتباطا بالاقتصاد والمعيش اليومي للمواطنين؟

هذا التساؤل يزداد حضورا في ظل الظرفية الاقتصادية التي عاشها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت الأسواق ارتفاعات متتالية في المحروقات، وفي أسعار المواد الغذائية الأساسية، اضافة الى تكاليف النقل والطاقة والخدمات، فيما وجدت فئات واسعة من الطبقة الوسطى والطبقات الهشة نفسها أمام ضغوط معيشية متزايدة رغم إطلاق عدد من البرامج الاجتماعية وتعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، فإن النقاش العمومي ظل مشدودا إلى قضية القدرة الشرائية التي بقيت الهاجس الأول للمواطنين.

ومن بين أكثر النقاط التي أثارت الانتباه في خطاب فاس ، الحديث عن ربط الدعم الاجتماعي بمعدلات التضخم، وهو إجراء يهدف إلى الرفع التلقائي لقيمة المساعدات كلما ارتفعت الأسعار، ورغم أهمية هذا المقترح من حيث المبدأ، فإنه يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بأن آليات الحماية الحالية لم تكن كافية لمواكبة الارتفاع المستمر للأسعار، كما أن معالجة آثار التضخم تختلف عن معالجة أسبابه، لأن الدعم المالي يخفف من وقع الأزمة على الأسر، لكنه لا يمنع استمرار ارتفاع الأسعار إذا لم ترافقه إجراءات أكثر عمقا لضبط الأسواق وتعزيز المنافسة ومحاربة الاحتكار والمضاربة وتحسين مسالك التوزيع.

كما أثار الحديث عن برامج ادخار موجهة للعاملين في القطاع غير المهيكل نقاشا واسعا، حيث ان هذه الفئة التي تشكل نسبة مهمة من القوة العاملة المغربية تواجه تحديات مرتبطة أساسا بضعف الدخل وغياب الاستقرار المهني والاجتماعي. ولذلك فان الأولوية بالنسبة لهذه الشريحة ليست الادخار بقدر ما هي تحسين ظروف العيش وتوفير دخل قار وحماية اجتماعية فعالة تسمح لها أولا بتأمين احتياجاتها الأساسية.

وإذا كانت الأحزاب السياسية تلجأ عادة إلى رفع سقف وعودها كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، فإن وضعية التجمع الوطني للأحرار تبدو مختلفة نسبيا عن باقي الأحزاب. المشاركة في الحكومة، فالحزب لا يدخل الانتخابات المقبلة من موقع المطالب بالتغيير فقط، بل من موقع المسؤول عن حصيلة خمس سنوات من قيادة الحكومة، إضافة إلى إرث سياسي وحكومي يمتد لأكثر من عقد ونصف من المشاركة المباشرة في تدبير قطاعات استراتيجية.

وتزداد أهمية هذا المعطى في ظل المؤشرات التي توحي بأن المنافسة الانتخابية المقبلة لن تكون محصورة بين الأغلبية والمعارضة فقط، بل ستشمل أيضا تنافسا داخل مكونات الأغلبية نفسها، فقد سبق لفاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن عبرت بشكل واضح عن طموح حزبها لتصدر نتائج الانتخابات المقبلة، حيث قالت : “غادي نريشو الحمامة في الانتخابات المقبلة”، وهو ما يعكس  الحديث عن فوزي لقجع  الذي سيترشح باسم “الجرار” في انتخابات 23 شتمبر 2026، ليكون هو البديل لعزيز اخنوش، لان  اسمه أصبح يتردد بشكل متزايد داخل عدد من الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة في ظل ارتباطه بملفات حققت حضورا قويا لدى الرأي العام، وفي مقدمتها ورش مونديال 2030 الذي يشكل أحد أكبر المشاريع الوطنية خلال العقد الحالي.

وبين وعود المستقبل وحصيلة الماضي، سيبقى الناخب المغربي أمام سؤال بسيط لكنه حاسم: هل ما تحقق خلال سنوات التدبير يبرر منح الثقة من جديد، أم أن المرحلة المقبلة تستدعي البحث عن بدائل سياسية قادرة على تقديم أجوبة مختلفة عن تلك التي تم تقديمها خلال السنوات الماضية؟!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.