د. خالد فتحي: شوط أول سيئ للغاية. حتى لقد بدا لي، في لحظة من اللحظات، أن الدوائر سوف تدور على منتخبنا. لكني تعلمت من مباراة هولندا أن لا أفقد الأمل. فحتما لا بد أن ينتفض فريقنا، وأن يفتك بهؤلاء الكنديين الذين تجرؤوا أن يلعبوا ضده لعب الند للند.
سيطرة كندا هاته تستمر في مقابل تيه مغربي. فلقد دخلت المباراة دون ضغوط. الأرقام على الورق تنذرها بالخسارة المبينة، وبهذا المعنى لم يكن لها ما تخسره. لقد اجتازت الدور الأول ودور الـ32، وهذا فوق ما يطلبه شعبها. أما منتخبنا فيبدو أنه دخل دور الـ16 وهو يخمن في دور الثمانية. دخل المباراة وهو ينوء بثقل ما تتوقعه الجماهير منه في كل بقاع العالم.
سيتحمل بونو وزر الشوط الأول من المباراة بمفرده تقريبا، وسينقذنا من أهداف محققة. كم هو رائع هذا الحارس الصنديد. فحين ينهار الدفاع، وتسقط كل الحصون، يتبقى لنا دائما هذا الأسد الذي يعرف كيف يذود عن العرين، كمخلص أخير. فاذا لكل مباراة شمسها المتوهجة، فإن شمس هذه المباراة هو بونو بدون منازع .
تتقاطر البطاقات الصفراء علينا. المنتخب المغربي متوتر جدا. لا يعرف من يأكل كتف هذا المنتخب الكندي المتنطع. لدرجة ان العميد حكيمي يفقد هدوءه، ويحصل على عقاب من الحكم.
هل ترى قد سقط منتخبنا في فخ استسهال الفرق الصغرى؟ هل غاب عنه أن هذه الفرق تستبسل في مواجهة المنتخب القوي؟ هل أخفق وهبي في الإعداد النفسي والذهني للفريق هذه المرة؟ أسئلة عدة تواردت علي، لكني كنت أقول لنفسي: المباراة هي تسعون دقيقة بالتمام والكمال.
ألم تعذب جزر القمر، البارحة، الأرجنتين قبل أن تسلمها زمامها وتنقاد لها؟ ربما تتأسى كندا بها، ولربما ظنت أنها قد تأتي بما لم تأت به جزر القمر هاته. لكنها بالتأكيد ستسلم، في النهاية، للأسد المغربي. لقد صرت محللا رياضيا مع هذه الكأس.
في الشوط الثاني سيكشر الأسود عن أنيابهم، وسيسجلون هدفا في الدقيقة الخامسة. ربما لا يعرف الكنديون أن الليوث، حين تبرز أنيابها، فهي لا تبتسم، وإنما تتأهب للفتك والافتراس.
تنفتح شهية أوناحي، ويسجل هدفه الثاني الرائع. حقيقة، في الليلة الظلماء يحضر البدر. لذلك أعتبر أن أوناحي كان بطل هذه المباراة ونجمها الساطع في شوطها الثاني.
التفت إلى هاتفي، فإذا رسائل تردني من مجموعة من الأشقاء العرب. رسائل من ليبيا ومصر وقطر والسعودية وتونس والجزائر وفلسطين والأردن، ومن دول أوروبية عديدة . هاتفي صار يضج بالدعاء للمنتخب المغربي. كل القلوب تدعو للمنتخب، وتتضرع إلى الله، وتتوسله أن يمد منتخبنا بالنصر المؤزر. ترى كيف ينهزم منتخب وراءه كل هذه الشعوب تدعمه وتسانده وتستدر له الفوز من السماء؟
في الدقيقة الثالثة من الوقت الإضافي من الشوط الثاني، سيصعد حارس مرمى كندا، وسيحاول أن يسجل على بونو. ولكن هيهات هيهات، العناية الإلهية تحيط بهذا المنتخب المبارك. كيف يسجل على بونو، ولم تفلح كل أقدام المنتخب الكندي في زيارة شباكه؟
يسجل رحيمي الهدف الثالث، فيكون رصاصة الرحمة على المنتخب الكندي. اليأس إحدى الراحتين، أليس كذلك؟
قبل أن يصفر الحكم، تصلني رسالة من الأردن. صديقي سعد من عمان يقول: “لقد أمتعتمونا وعذبتم أعصابنا.” أجيبه: “قل يا صديقي، لقد انتصرنا بعد نصب. أنت منا، نحن المغاربة.” بعد قليل سيرسل لي نصبا لبونو على شاكلة تمثال الحرية.
لقد تحولت كل عواطف العرب والمسلمين نحو المنتخب المغربي. الليلة صار ممثل آسيا وإفريقيا، ممثل ما يفوق نصف البشرية.
خرجت إلى الشارع مباشرة كي أحتفل. المؤكد أننا سنحتفل هذا اليوم إلى الفجر. حين انتصر المنتخب على هولندا فجرا احتفلنا حتى الضحى. لا أفهم من أين أتت كل هذه الجموع الهادرة. هل انشقت عنها الأرض؟ أم طارت هلى اجنحة النصر إلى شارع محمد الخامس؟
اقتعدت مكاني في المقهى، لألاحظ مواكب الفرحة الهستيرية هاته، البادية على كل الوجوه، و اتأمل هاته المشاعر الملتهبة بحب الوطن، و المس هذا الإحساس بالفخر الذي استولى وتمكن من كل النفوس.
إن هذا المنتخب صار يوحد كل المغاربة…، يلقنهم درسا في المواطنة والوطنية، لو أنفقت من أجله كل مؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية ببلادنا عقودا لما بلغت الغاية التي بلغها بنا ، ولما ناهزت المرمى الذي حققه.
اليوم وصل وهبي إلى ربع النهاية، لا تفصله إلا مباراة واحدة عن إنجازات الركراكي بقطر، وسوى مباراتان فقط ليتجاوز ما حققه منتخب 2022، و ثلاث مباريات ليتربع فوق سنام المجد الأكبر: نيل الكأس والعودة بها إلى المغرب، تماما كما فعل حين جلب الكأس من الشيلي.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر أهل الكرم تأتي المكارم.
وتعظم في عين الصغير الصغائر، وتصغر في عين العظيم العظائم.
المغرب بلد عظيم، ضارب في التاريخ، لا تليق به إلا الصدارة. منتخبه يلعب بخطة وتقنيات وبأقدام موهوبة، وعزائم وإرادات لا تلين، لكنه ينتصر بالخصوص لأن منتخبه يمثل وطنا له سردية. منتخبه منتخب ذو هوية، حين يلعب يتمثل كل ذاك الفخار وكل ذاك المجد التليد، فلا يهون عليه أن يمرغ في التراب.
حين يتقابل منتخبان فوق العشب الأخضر، في الحقيقة يتقابل شعبان وسرديتان، كلاهما تريد أن تنتصر على الأخرى، ومنتخبنا متفوق من هذه الناحية. إنه يمثل المغرب أيها السادة.
ولذلك، قد علمني مسار منتخبنا بالمونديال أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يتنافس فيها اثنان وعشرون لاعبا على قطعة من الجلد منفوخة بالهواء، بل غدت فنا يبدع، وعلما يخطط، واقتصادا يدر المليارات، وقوة جذب ناعمة تصنع صورة الأوطان وتبني مكانتها في العالم. ومن يحسن الإعداد لها لا يكسب مباراة فحسب، وإنما يكسب احترام الأمم، ويقدم وطنه في أبهى صورة، ويجعل رايته ترفرف في ميادين تتجاوز المستطيل الأخضر إلى فضاءات الحضارة والتاريخ.
إذن، هيا إلى الكأس أيها الأبطال، إنها منذورة لكم. فلا تجبنوا ولا تترددوا، وثقوا أنكم ستغلبون دائما، بإذن الله.

