أثار الانتقال المفاجئ لمعدل البطالة في المغرب من 13 في المائة، كما ورد في التقرير السنوي لوالي بنك المغرب برسم سنة 2025، والذي قدمه امام جلالة الملك محمد السادس، يوم 20 يوليوز 2026، إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، وفق المندوبية السامية للتخطيط، تساؤلات مشروعة حول حقيقة وضعية سوق الشغل، ومدى انسجام الأرقام الصادرة عن مؤسستين رسميتين يفترض أن تقدما للرأي العام صورة واضحة عن الاقتصاد الوطني.
فعندما قدّم والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، تقريره السنوي بين يدي جلالة الملك، أكد أن الاقتصاد الوطني حقق خلال سنة 2025 نمواً بنسبة 4,9 في المائة، وأحدث نحو 193 ألف منصب شغل، غير أن هذه الدينامية لم تكن كافية لخفض البطالة التي استقرت في حدود 13 في المائة. وأوضح التقرير أن الاقتصاد لم ينجح في استيعاب سوى 177 ألف شخص من أصل 407 آلاف بلغوا سن العمل خلال السنة نفسها.
وبعد ذلك بأيام، أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن البطالة بالمفهوم الضيق تراجعت إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 10,8 في المائة خلال الفصل الأول، بعدما انخفض عدد العاطلين من مليون و253 ألفاً إلى مليون و121 ألف شخص، أي بتراجع بلغ 132 ألف عاطل في ثلاثة أشهر فقط.
وفي هذا الاطار، نحن أمام انخفاض كبير بنحو 3,5 نقاط مقارنة برقم بنك المغرب، وهو تطور يصعب تفسيره بمجرد تحسن اقتصادي وقع خلال ستة أشهر. لكن التدقيق يكشف أن الرقمين لا يقيسان الظاهرة بالطريقة نفسها، ولا يتعلقان بالفترة الزمنية ذاتها.
فرقم 13 في المائة هو متوسط سنوي يخص سنة 2025، واعتمد على معطيات المسح الوطني القديم حول التشغيل. أما نسبة 9,5 في المائة فهي رقم فصلي يخص الربع الثاني من سنة 2026، ومحسوب وفق بحث جديد أطلقت عليه المندوبية اسم “البحث حول اليد العاملة 2026”..
والأهم من ذلك ، أن المندوبية “غيّرت ” تعريف ابطالة وفق “البطالة بالمفهوم الضيق”، لا يُصنف الشخص عاطلا إلا إذا كان من دون عمل، ومتاحا للعمل، ويبحث عنه بصورة فعلية.، أما الأشخاص ولجوا للعمل لكنهم توقفوا ، بسبب اليأس أو غياب “الراتب الادنى للاجور”، فلا يدخلون ضمن العاطلين بالمفهوم الضيق، بل يُصنف بعضهم ضمن “القوة العاملة المحتملة”.
وهذا التغيير يخفض معدل البطالة الرئيسي حسابيا، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع الأشخاص الذين خرجوا من خانة البطالة وجدوا وظائف، لكن بعضهم قد يكون انتقل ببساطة إلى خانة أخرى داخل المنظومة الإحصائية.
كما غيّرت المندوبية قاعدة احتساب التشغيل، فلم تعد تعتبر الأنشطة الموجهة أساسا للاستهلاك الذاتي، خصوصا في الوسط القروي، ضمن الشغل، وحصرت مفهوم العمل في الأنشطة المؤدى عنها أو المنجزة بهدف تحقيق الربح. ورفعت حجم العينة السنوية من 90 ألفاً إلى 135 ألف أسرة، واعتمدت قاعدة جديدة انطلاقاً من نتائج إحصاء السكان والسكنى لسنة 2024
لذلك، لا يمكن علميا ـ حسب المختصين ـ وضع نسبة 13 في المائة إلى جانب 9,5 في المائة واستخلاص أن البطالة تراجعت بـ3,5 نقاط، والمندوبية نفسها تنبه بوضوح إلى أن نتائج البحث الجديد “غير قابلة للمقارنة مباشرة” مع الأرقام المنشورة سابقا، وأن المقارنة الصحيحة يجب أن تتم مع السلاسل التاريخية المعاد احتسابها وفق المفاهيم الجديدة.
ومع ذلك، فإن غياب التفسير المبسط والمتزامن فتح الباب أمام الشكوك. فعندما يتلقى المواطن رقما رسميا يقول إن البطالة بلغت 13 في المائة، ثم يسمع بعد فترة قصيرة أنها تراجعت إلى 9,5 في المائة، من دون تقديم جدول واضح يشرح أثر تغيير المنهجية، يصبح الانطباع السائد أن هناك تضاربا أو محاولة لتجميل الواقع.. !.