اعتبرت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026 تجاوزت حدود موجة عابرة للهجرة غير النظامية، لتتحول إلى أزمة إنسانية وسياسية غير مسبوقة، وضعت العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد، وامتدت تداعياتها إلى داخل الاتحاد الأوروبي.
وأوضحت الصحيفة أن أعداداً كبيرة من الراغبين في الهجرة توافدت على المناطق المحاذية لمدينة سبتة، بعد انتشار معلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي توحي بإمكانية الوصول إليها بسهولة. ووفق الأرقام التي قدمتها السلطات الإسبانية، فقد تمكن نحو 60 ألف شخص من دخول المدينة خلال 24 ساعة، وهو عدد يقارب 70 في المائة من مجموع سكانها.
وأشارت إلى أن عدداً من المرشحين للهجرة استعدوا للعملية أياماً قبل تنفيذها، مستفيدين من المعلومات المتداولة رقمياً بشأن مراقبة الحدود وإجراءات الإعادة. كما ارتبط هذا التدفق بتأويلات انتشرت حول قرار قضائي إسباني يقيّد بعض عمليات الإرجاع الفوري، وهو ما استغلته شبكات الاتجار بالبشر لتقديم العبور باعتباره فرصة مضمونة.
ووصف خوان خيسوس فيفاس، الوضع بأنه غير قابل للاستمرار، بعدما فاقت أعداد الوافدين قدرة المدينة على الاستيعاب، وضغطت بصورة كبيرة على مرافقها وخدماتها الأساسية.
من جهته، اعتبر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن التدفق الجماعي يمثل مساساً بالسلامة الترابية لبلاده، مؤكداً أن مدريد ستعمل على استعادة النظام وتأمين الحدود. وفي خضم الأزمة، دفعت السلطات الإسبانية بتعزيزات أمنية وعسكرية إلى سبتة، وشرعت، بالتنسيق مع الرباط، في إعادة أعداد كبيرة ممن دخلوا المدينة بطرق غير قانونية.
ويكشف موقف سانشيز حجم الضغط السياسي الذي وجد نفسه أمامه، بين ضرورة إظهار الحزم في الدفاع عن الحدود الإسبانية، والحفاظ في الوقت نفسه على التعاون مع المغرب، باعتباره شريكاً أساسياً في تدبير ملف الهجرة ومراقبة الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
غير أن الأرقام المتعلقة بحجم التدفق والخسائر البشرية ظلت متباينة. ففي حين تحدثت معطيات إسبانية وتقارير صحافية عن نحو 60 ألف عابر وعشرات الوفيات، أعلنت وزارة الداخلية المغربية لاحقاً أن قرابة 40 ألف شخص توجهوا نحو سبتة، مسجلة وفاة 11 شخصاً. ويفرض هذا التضارب التعامل بحذر مع الحصيلة المتداولة، في انتظار صدور معطيات نهائية موحدة أو نتائج تحقيق مستقل.
وسرعان ما تجاوزت الأزمة الحدود المغربية الإسبانية، بعدما أثارت مخاوف أوروبية من انتقال الوافدين إلى دول أخرى داخل فضاء شنغن. كما أعلنت مؤسسات أوروبية تضامنها مع مدريد، داعية إلى وقف عمليات العبور الخطرة ومعالجة الوضع من خلال التعاون مع المغرب.
وطرحت الأزمة تساؤلات بشأن خلفياتها السياسية والدبلوماسية، وما إذا كانت مراقبة الحدود قد شهدت تراخياً متعمداً. غير أن هذه الفرضية بقيت في نطاق التحليل والاشتباه، بعدما نفت السلطات المغربية تسهيل عمليات العبور، وأرجعت الأحداث إلى الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، وتحرك شبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن التأويل الخاطئ لمعطيات قانونية وإدارية.
وفي المحصلة، أظهرت أحداث سبتة أن الهجرة ما تزال من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وأن أي اضطراب في تدبير الحدود يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة سياسية وأمنية أوروبية. كما أكدت أن معالجة ما وقع لا ينبغي أن تقتصر على تبادل الاتهامات، بل تستوجب تحقيقاً شفافاً يحدد مصدر الدعوات الرقمية، ودور شبكات التهريب، وأسباب الإخفاقات الميدانية، ويكشف الحصيلة الإنسانية الدقيقة بعيداً عن المزايدات والأرقام المتضاربة.