من “فيسبوك” إلى البرلمان.. فوز أسامة بريك في ميدلت يفتح سؤالا جديدا حول صناعة النفوذ السياسي خارج الأحزاب
لم يكن فوز عبد العزيز بريك، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم “أسامة بريك”، بمقعد برلماني عن دائرة ميدلت مجرد نتيجة انتخابية محلية عابرة، بل حمل معه دلالات سياسية واتصالية تستحق التوقف عندها، لأنها تطرح سؤالاً أوسع حول الطريقة التي بدأ بها النفوذ السياسي يتشكل خارج القنوات الحزبية التقليدية.
فالمعطيات المتداولة عقب اقتراع 23 شتنبر 2026 أظهرت حصول بريك على 21.19 في المائة من الأصوات المعبر عنها، فيما أفادت معطيات محلية أخرى بأن حزب الوحدة والديمقراطية الذي ترشح باسمه حصل على 16 ألفاً و450 صوتاً في الدائرة، في نتيجة منحته المقعد الوحيد الذي حصده الحزب وطنياً وفق النتائج المؤقتة.
اللافت في هذه النتيجة أن بريك لم يصل إلى البرلمان عبر مسار حزبي تقليدي طويل، وإنما راكم جانباً مهماً من حضوره وشهرته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة “فيسبوك”، وهذا المعطى يجعل تجربته مختلفة عن النمط المألوف للمرشح الذي يعتمد أساساً على التنظيم الحزبي المحلي، والشبكات الانتخابية التقليدية، واللقاءات الميدانية المعتادة.
لكن اختزال النتيجة في القول إن “فيسبوك هزم الأحزاب” سيكون قراءة متسرعة. فالحضور الرقمي وحده لا يكفي للفوز بمقعد برلماني، لأن المتابع الافتراضي لا يتحول تلقائياً إلى ناخب يتوجه إلى مكتب التصويت. ما حدث في ميدلت يشير، بالأحرى، إلى أن الرصيد الرقمي يمكن أن يتحول إلى رأسمال انتخابي عندما يقترن بخطاب محلي مفهوم، وحضور ميداني، وقدرة على بناء علاقة مباشرة مع الناخبين.
وهنا تكمن الدلالة الأهم: جزء من الثقة السياسية لم يعد يُصنع حصراً داخل مقرات الأحزاب وهياكلها التنظيمية، بل يمكن أن يتشكل أيضاً عبر الهاتف المحمول والفيديو المباشر والتفاعل اليومي مع المواطنين.
كما أن حالة ميدلت تضع الأحزاب أمام تحدٍ جديد. فالشخصيات التي كانت تُصنف سابقا فقط باعتبارها “مؤثرين” أو “نشطاء على مواقع التواصل” بات بإمكان بعضها، متى توفر لها حضور اجتماعي فعلي، منافسة مرشحين ينتمون إلى تنظيمات سياسية أكثر رسوخاً. وهذا لا يعني نهاية دور الأحزاب، لكنه يعني أن امتلاك التنظيم والرمز والآلة الانتخابية لم يعد وحده ضمانة كافية للنجاح.
وفي المقابل، فإن فوز بريك يفتح سؤالا آخر أكثر صعوبة: هل يستطيع المؤثر الذي ينجح في تحويل المتابعين إلى أصوات أن يحول تلك الأصوات بعد ذلك إلى عمل برلماني وتشريعي ورقابي فعال؟
فالانتقال من صناعة المحتوى إلى صناعة القرار مختلف تماما. الناخب قد يتفاعل مع فيديو في دقائق، لكنه ينتظر من النائب البرلماني أن يتابع مشاريع القوانين، ويطرح الأسئلة، ويراقب العمل الحكومي، ويدافع عن مصالح دائرته طوال ولاية تشريعية كاملة.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لبريك يبدأ بعد الفوز وليس قبله. فإذا استطاع الحفاظ على العلاقة المباشرة التي بناها مع متابعيه، مع تطوير أدوات العمل البرلماني والمؤسساتي، فقد تتحول تجربته إلى نموذج يمكن أن يشجع شخصيات رقمية أخرى على دخول السياسة. أما إذا توقف تأثير التجربة عند لحظة الاقتراع، فستظل حالة انتخابية استثنائية أكثر منها تحولاً بنيوياً.
كما أن هذه النتيجة قد تدفع الأحزاب نفسها إلى مراجعة طرق اختيار المرشحين. فالناخب الذي يتابع شخصا يوميا ويعرف مواقفه وخطابه قد يمنحه أحياناً ثقة أكبر من مرشح يظهر فقط خلال أسابيع الحملة. ولذلك، فإن المنافسة السياسية المقبلة قد لا تكون فقط بين الأحزاب، وإنما أيضاً بين قوة التنظيم التقليدي وقوة الحضور الرقمي المستمر.
وتحمل نتيجة ميدلت رسالة إضافية مرتبطة بالشباب والمناطق غير المركزية. فقد أظهرت النتائج الأولية أن بريك تقدم على أسماء تنتمي إلى أحزاب ذات حضور تنظيمي معروف في الإقليم، وهو ما يطرح احتمال وجود بحث لدى جزء من الناخبين عن وجوه جديدة أو مسارات مختلفة عن العرض السياسي التقليدي، مع ضرورة الحذر من تعميم حالة دائرة واحدة على باقي البلاد.
في النهاية، قد يكون المقعد الذي فاز به أسامة بريك واحداً فقط داخل مجلس النواب، لكنه يطرح أسئلة تتجاوز وزنه العددي: هل نحن أمام بداية دخول جيل جديد من الفاعلين السياسيين الذين صنعتهم المنصات الرقمية؟ وهل ستتعامل الأحزاب مع مواقع التواصل باعتبارها مجرد أدوات للدعاية، أم باعتبارها فضاءات يمكن أن تُنتج قيادات ومرشحين ورأياً عاماً جديداً؟
الأجوبة لن تقدمها انتخابات 23 شتنبر وحدها، بل سيقدمها أداء هذا الجيل الجديد داخل المؤسسات. فالفوز عبر “السوشيال ميديا” قد يكون ممكنا، أما النجاح في البرلمان فله قواعد واختبارات أخرى.