من حساب المقاعد إلى امتحان الثقة.. أي حكومة لمرحلة ما بعد انتخابات 2026؟!

فكري ولدعلي: لم تعد مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية مجرد عملية حسابية لتجميع المقاعد وتشكيل أغلبية برلمانية، بل تحولت إلى لحظة سياسية مفتوحة على أكثر من احتمال، عنوانها الأبرز: من سيقود الحكومة المقبلة، وبأي تحالف، وبأي مشروع؟
وفي انتظار تعيين جلالة الملك لرئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، بدأت حسابات التحالفات تفرض نفسها بقوة على المشهد السياسي، وسط تعدد السيناريوهات الممكنة لتشكيل الأغلبية.
فمن الناحية العددية، يبرز أولاً سيناريو يجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال بـ228 مقعداً، وهي صيغة توفر أغلبية مريحة وتعيد، إلى حد كبير، إنتاج مكونات الأغلبية السابقة مع تغيير موقع قيادة الحكومة.
مثل هذه الصيغة تمنح هامشاً مهماً للاستمرارية في الأوراش الكبرى، لكنها ستواجه في المقابل سؤالاً سياسياً أساسياً: هل تستطيع الأغلبية الجديدة أن تقدم نفسها باعتبارها بداية مرحلة مختلفة، لا مجرد إعادة توزيع للمواقع داخل التركيبة نفسها؟
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري بـ205 مقاعد، وهي صيغة تفتح الباب أمام أغلبية مختلفة عن الولاية السابقة، لكنها ستحتاج إلى قدر كبير من الانسجام السياسي والانضباط البرلماني حتى تتمكن من تدبير المرحلة بكفاءة.
ويأتي سيناريو ثالث أكثر اتساعاً، يضم إلى هذه المكونات حزب التقدم والاشتراكية، ليصل مجموع المقاعد إلى224 مقعداً. وهذه التركيبة توفر هامشاً برلمانياً أوسع، لكنها في المقابل تضع أمام مكوناتها تحدياً أكبر في توحيد الرؤى والبرامج وترجمة التعدد الحزبي إلى قرار حكومي منسجم.
وهناك أيضاً صيغة تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية بـ191 مقعداً، وهي تركيبة لا تبلغ بمفردها عتبة الأغلبية المطلقة، ما يجعلها في حاجة إلى شريك إضافي، وبالتالي تبقى رهينة بطبيعة الطرف الذي يمكن أن يستكمل بها الأغلبية.
لكن، بعيداً عن آلة الحساب البرلماني، هناك سؤال أكبر يفرض نفسه: ماذا تريد البلاد من الحكومة المقبلة؟
فالمغرب يدخل مرحلة دقيقة تتقاطع فيها أوراش كبرى مع انتظارات اجتماعية متزايدة. والاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030 تضع أمام الدولة والحكومة تحديات ضخمة في البنيات التحتية والنقل والمطارات والملاعب والسياحة والخدمات، بالتوازي مع ملفات التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والسكن وتقليص الفوارق المجالية.
وبالتالي، فإن الحكومة المقبلة لن تكون مطالبة فقط بإدارة الأغلبية داخل البرلمان، بل ستكون مطالبة بإدارة مرحلة استثنائية بكل ما تحمله من رهانات وانتظارات.
وهنا تبرز مسألة الوجوه والكفاءات باعتبارها جزءاً من النقاش السياسي المقبل.
فالاستمرارية قد تكون ضرورية في عدد من الأوراش، لكن التجديد يظل بدوره مطلباً مشروعاً، خصوصاً إذا كان الهدف هو إعطاء انطباع بأن الانتخابات أفرزت مرحلة سياسية جديدة، لا مجرد إعادة تدوير للمواقع والأسماء.
كما أن تدبير المرحلة المقبلة يفرض استحضار بعض التجارب السابقة، ليس من باب المحاكمة السياسية أو الشخصية، وإنما باعتبارها جزءاً من الذاكرة المؤسساتية التي تؤثر في صورة المسؤول والحكومة أمام الرأي العام.
وفي هذا السياق، تستحضر تجربة مركب مولاي عبد الله خلال «موندياليتو» 2014، وما رافقها من اختلالات انتهت إلى تحقيق رسمي وترتبت عنها مسؤوليات سياسية وإدارية، وصولاً إلى إعفاء محمد أوزين من مهامه وزيراً للشباب والرياضة.
واليوم، وبعد تولي أوزين قيادة الحركة الشعبية، فإن استحضار هذه الواقعة لا يعني الحكم مسبقاً على أي مشاركة محتملة للحزب في الحكومة، ولا يمثل في حد ذاته عائقاً قانونياً أمامها، لكنه يفتح نقاشاً سياسياً حول صورة المرحلة المقبلة ورسائلها، خاصة أن الحكومة القادمة ستكون معنية بشكل مباشر بالتحضير لموعد رياضي عالمي بحجم مونديال 2030.
غير أن الرقم الأكثر دلالة في المشهد قد لا يكون عدد المقاعد التي ستشكل الأغلبية، بل نسبة المشاركة الانتخابية التي بلغت 38.08 في المائة.
فالحديث عن تشكيل الحكومة لا ينبغي أن ينفصل عن سؤال المشاركة والثقة. ومهما اختلفت القراءات حول أسباب العزوف الانتخابي، فإن ضعف الإقبال يضع على عاتق الحكومة المقبلة مسؤولية مضاعفة في إعادة الاعتبار للعمل السياسي والمؤسساتي، وربط السياسات العمومية بنتائج ملموسة في حياة المواطنين.
وهنا تنتقل المعادلة من داخل البرلمان إلى خارجه.
فالأحزاب قادرة على جمع 205 أو 224 أو 228 مقعداً، وقادرة على بناء أغلبية تسمح لها بتشكيل الحكومة وممارسة السلطة التنفيذية.
لكن الثقة لا تُجمع بالمقاعد.
الثقة تُبنى بالنتائج، وبالوضوح، وبالكفاءة، وبالمحاسبة، وبالقدرة على التواصل مع المواطن، وبإقناعه بأن صوته لا ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد انتخابات 2026 ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟
بل أيضاً: أي حكومة تستطيع أن تحول الأغلبية البرلمانية إلى أغلبية في الثقة؟
فطريق المغرب نحو 2030 لن يمر فقط عبر الملاعب والمطارات والطرق والقطارات، وإنما سيمر قبل ذلك عبر المواطن، الذي يريد أن يرى أثر التنمية في حياته اليومية، وأن يشعر بأن المرحلة السياسية الجديدة تحمل له شيئاً أكثر من مجرد تغيير في تركيبة الحكومة.
وهنا تحديداً سيكون الامتحان الحقيقي للأغلبية المقبلة: أن تنجح في إدارة الدولة، وفي الوقت نفسه أن تنجح في استعادة ثقة المواطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.