أصدر مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، بتعاون مع المنتدى المدني الديمقراطي المغربي، تقريراً مشتركاً حول ملاحظة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، في امتداد لمسار راكمته الهيئتان منذ انتخابات 2007. ويؤكد التقرير أن غايته ليست تقييم الأحزاب أو الحكم على الفائزين والخاسرين، وإنما توثيق سير العملية الانتخابية من زاوية مدنية مستقلة، تشمل الإطار القانوني والحملة ويوم الاقتراع وتمثيلية النساء والشباب والتحول الرقمي.
ووضع التقرير الانتخابات في سياق دولي وإقليمي مضطرب، مطبوع بتداعيات أزمات الطاقة والأمن والغذاء والحربين في أوكرانيا وغزة والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والساحل، معتبراً أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام تداخل أكبر بين الملفات الداخلية والالتزامات الخارجية. وعلى المستوى الوطني، حصر التقرير أبرز الرهانات في قضايا الوحدة الترابية، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتجديد الفضاء الحزبي والنخب السياسية.
ورصد التقرير مستجدات تشريعية وتنظيمية رافقت الاستحقاق، من بينها توسيع بعض موانع الترشح، وتنظيم الإنفاق الانتخابي الرقمي، والتصريح بالمنصات المستعملة في الحملات، ووسم بعض المحتويات المنتجة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تخصيص المقاعد الجهوية التسعين للنساء. كما أشار إلى اعتماد 26 جمعية ومؤسسة وطنية و30 هيئة دولية، بمجموع 3006 ملاحظين وملاحظات.
وخلال الحملة الانتخابية، التي امتدت من 10 إلى 22 شتنبر، سجل التقرير مشاركة 27 حزباً وتقديم 1850 لائحة تضم 7288 مترشحاً، من بينهم 2658 امرأة، أي بنسبة تقارب 36.47 في المائة، في وقت بلغ فيه عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية نحو 15.8 مليون ناخب. كما تم رصد 500 حالة موزعة على الجهات الاثنتي عشرة، شملت ملاحظات مرتبطة بالملصقات الانتخابية، واستعمال بعض الوسائل العمومية، ومحاولات التأثير بالمنافع، وحالات محدودة من التوتر والعنف، مع الإشارة إلى أن الحملة بدت أقل صخباً في الشارع وأكثر كثافة في الفضاء الرقمي.
واحتل البعد الرقمي مساحة أساسية في التقرير، الذي اعتبر أن واتساب وفيسبوك وتيك توك وإنستغرام تحولت إلى ساحات رئيسية للتنافس الانتخابي، بالتوازي مع بروز مخاطر الحسابات الوهمية والتضليل والتزييف العميق وصعوبة مراقبة المجموعات المغلقة. ويرى التقرير أن الرقمنة وسعت من قدرة المرشحين على الوصول إلى الناخبين وخفضت كلفة التواصل، لكنها في المقابل جعلت إنتاج المحتوى المضلل وانتشاره أسرع وأكثر صعوبة في الرصد.
أما يوم الاقتراع، فقد مر، وفق التقرير، في ظروف عادية في عدد كبير من مكاتب التصويت، رغم تسجيل ملاحظات تتعلق بولوج بعض الملاحظين، وتفاوت ولوجيات الأشخاص في وضعية إعاقة، واستعمال الهواتف في بعض المواقع، ووجود توترات محدودة في محيط بعض المراكز. وشددت الوثيقة على أهمية التمييز بين الوقائع التي تمت معاينتها مباشرة وبين الإفادات أو المقاطع المتداولة رقمياً، محذرة من تعميم واقعة محلية على مجمل العملية الانتخابية.
وفي ما يتعلق بتمثيلية النساء، سجل التقرير ارتفاع عدد المترشحات، لكنه أشار في المقابل إلى محدودية حضور النساء على رأس اللوائح المحلية، إذ لم تتجاوز هذه الحالات 121 لائحة من أصل 1615، أي نحو 7.5 في المائة. كما توقف عند ضعف الحضور الانتخابي للشباب، خصوصاً الفئة بين 18 و24 سنة، وإلى محدودية الترشيحات المستقلة، رغم الحضور المكثف لقضايا الشباب في الخطاب الحزبي والبرامج الانتخابية.
وبلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 38.02 في المائة، أي ما يقارب ستة ملايين ناخب من أصل نحو 15.8 مليون مسجل، وهي نسبة أقل من انتخابات 2021، مع اختلاف طبيعة الاستحقاقين، باعتبار أن انتخابات 2021 جمعت في يوم واحد بين الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية. وربط التقرير هذه النسبة بعدة عوامل، من بينها تراجع الثقة في الوساطة الحزبية وتحول أشكال المشاركة السياسية.
وخلص التقرير إلى أن الملاحظة الانتخابية تحتاج بدورها إلى تحديث أدواتها، خصوصاً في ظل صعود الخروقات الرقمية إلى جانب الممارسات التقليدية المرتبطة بالمال والهدايا والحملات في فضاءات محظورة. كما اعتبر أن حياد الإدارة، وإن بدا مؤسسياً على مستوى الإطار الرسمي، لا يلغي استمرار النقاش حول تكافؤ الفرص بين المتنافسين، بالنظر إلى تفاوت الموارد وإمكانات النفوذ المحلي.
وبحسب الوثيقة، فإن التحدي لم يعد فقط في ضمان احترام القواعد داخل مكاتب التصويت أو في الشارع، بل أيضاً في بناء آليات فعالة لمراقبة الحملات الرقمية وتمويلها، والتصدي السريع للأخبار الزائفة والتشهير والمحتويات المصطنعة.
ويختم التقرير بالتأكيد على أن قيمة الملاحظة الانتخابية لا ترتبط بعدد الملاحظين بقدر ما ترتبط بجودة التوثيق وموضوعية التحليل، مع التشديد على أن دور الهيئات المدنية يظل قائماً على الملاحظة لا التدخل، والتوثيق لا التأثير، والتحليل لا الحكم المسبق.