حكومة “الجرار” أمام امتحان صعب!.. هل تواجه معارضة “شرسة” بالكفاءات؟.. أم تدفع ثمن إرضاء الحلفاء؟

في انتظار ان تتضاح معالم الحكومة المقبلة وتعيين رئيسها وأعضائها وفق المساطر الدستورية، يطرح تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لانتخابات 23 شتنبر 2026 سؤالاً يتجاوز مجرد هوية الأحزاب التي ستدخل الأغلبية: هل يستطيع «الجرار» أن يقود حكومة تضم وزراء قادرين على إدارة الملفات الثقيلة ومواجهة معارضة قوية داخل البرلمان، أم أن ضرورات تشكيل التحالف قد تدفع نحو توزيع الحقائب بمنطق التوازنات وإرضاء الشركاء أكثر من منطق الكفاءة والنجاعة؟

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي. فالحصول على أغلبية عددية ليس هو نفسه امتل أغلبية سياسية متماسكة وقادرة على الدفاع عن القرارات الحكومية داخل البرلمان وخارجه. وكلما اتسعت دائرة التحالف، ارتفعت معها كلفة التوفيق بين مطالب الأحزاب المشاركة، سواء في توزيع القطاعات الوزارية أو في ترتيب الأولويات أو في تحديد المسؤوليات داخل المؤسسات.

وقد سبق ان صرحت فاطمة الزهراء المنصوري عقب النتائج النهائية لانتخابات 23 شتمبر الجاري، بأن حزبها لا يضع “خطوطاً حمراء” في موضوع التحالفات، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً أمام أكثر من تركيبة ممكنة، لكن انفتاح باب التحالفات لا يلغي السؤال الأصعب: على أي أساس ستُوزع الحقائب؟ هل سيكون معيار الاختيار هو القدرة على التدبير وتحمل المسؤولية السياسية، أم قوة كل حزب التفاوضية داخل الأغلبية؟ !

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحا إذا وجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه أمام معارضة يقودها حزب العدالة والتنمية، الذي حقق عودة برلمانية واضحة بـ54 مقعداً بعدما كان حضوره أضعف بكثير في الولاية السابقة، حيث صادق مجلسه الوطني يوم امس السبت على عدم المشاركة في حكومة يقودها «البام»، وقال اجد قادة الحزب : “ان المعارضة التي سنخوضها في مجلس النواب لن تكون شعبوية»

أما التجمع الوطني للأحرار، فرغم تراجعه إلى المرتبة الثانية، فإنه لا يزال قوة برلمانية وازنة بـ66 مقعداً، لكن موقعه النهائي، بين المشاركة في الحكومة أو الانتقال إلى المعارضة، غير محسوم بشكل نهائي؛ إذ أقر رئيس الحزب محمد شوكي بالتراجع الانتخابي وأحال قرار التحالفات إلى مؤسسات الحزب. لذلك فإن الحديث اليوم عن “معارضة الحمامة” غير محسوم قبل تعيين جلالة الملك رئيسة او رئيس الحكومة لتشكيلها

وفي حال خروج “الحمامة” من قفص الحكومة، فإن الحكومة المقبلة قد تواجه معارضة بأكثر من مائة نائب بين الحزبين وحدهما، اضافة الى باقي المكونات التي قد تختار الاصطفاف خارج الأغلبية. وحينها لن يكون الوزير مطالبا فقط بتدبير قطاعه، بل أيضا بالدفاع عن حصيلته أمام الأسئلة الشفوية والكتابية ولجان البرلمان، وتقديم أجوبة سياسية وتقنية مقنعة أمام معارضة تمتلك تجربة حكومية وبرلمانية سابقة.

ومن هنا، فإن اختيار أعضاء الحكومة لن يكون تفصيلا ثانويا. فالمرحلة المقبلة ترتبط بملفات حساسة تمس الحياة اليومية للمواطنين: التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والسكن، والحماية الاجتماعية، والتفاوتات المجالية. اضافة الى ملف الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وهذه الملفات لا تحتمل حكومة ينشغل مكوناتها بتدبير الخلافات الداخلية أو بموازنة حصص الأحزاب أكثر من انشغالها بسرعة الإنجاز وفعالية القرار.

كما أن الأغلبية المقبلة ستدخل البرلمان بخريطة مختلفة عن تلك التي ميزت ولاية 2021-2026، وهو ما يجعل الانضباط داخل صفوفها عاملا أساسيا في تمرير القوانين والتصويت على المبادرات الحكومية، خصوصا إذا كانت الفوارق العددية محدودة أو عرف حضور النواب تراجعا في بعض الجلسات، وتشير قراءات أولية للخريطة الجديدة إلى أن الحسابات العددية داخل مجلس النواب قد تصبح أكثر دقة مما كانت عليه خلال الولاية المنتهية.

وبالتالي، فإن التحدي أمام «الجرار» لا ينحصر في تشكيل حكومة فقط، وإنما في بناء أغلبية قادرة على الاستمرار والدفاع عن قراراتها وتحمل كلفتها السياسية، فالحكومة التي تُبنى بمنطق إرضاء جميع الحلفاء، قد تكسب هدوءا مؤقتا عند تشكيلها، لكنها قد تدفع لاحقا ثمن تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات، مع الاخذ بعين الاعتبار الموسم الانتخابي المقبل للجماعات الترابية ومجلس المستشارين سنة 2027.

أما الحكومة التي تُعطي وزنا أكبر للكفاءة السياسية والتدبيرية، مع اتفاق واضح بين مكوناتها على برنامج وأولويات ومسؤوليات محددة، فستكون في وضع مختلف أمام البرلمان والرأي العام؛ ليس لأنها ستتجنب المعارضة، بل لأنها ستكون أكثر قدرة على تقديم أجوبة قابلة للدفاع عنها ومحاسبتها على أساسها.

وفي انتظار ذلك، فان الامتحان الحقيقي لحكومة ما بعد 23 شتنبر لن يكون سهلا للأحزاب المشاركة فيها فقط، بل في قدرتها على تحويل الأغلبية العددية إلى انسجام سياسي وفعالية حكومية. أما المعارضة، سواء اقتصرت على “المصباح” وتحالف اليسار، أو انضم إليها حزب “الحمامة” أو قوى أخرى، فستجد أمامها مساحة واسعة للمساءلة والنقد.

ويبقى السؤال الذي ستحسمه الأسابيع المقبلة: هل ينجح “الجرار” في تشكيل حكومة قوية بوزراء قادرين على مواجهة البرلمان وتلبية الانتظارات الاجتماعية ؟، أم تتحول حسابات التحالف وتوزيع الحقائب إلى أول عبء على الحكومة وعلى من “صوت عليها”، لا قدر الله؟!.

ح.ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.