لم تكد أفراح الفائزين في الانتخابات التشريعية بدائرة طنجة-أصيلة تكتمل، عقب اقتراع 23 شتنبر 2026، حتى تحولت واقعة “مدرسة القدس” إلى ملف ثقيل ألقى بظلاله على النتائج المعلنة، وأدخل المقاعد الخمسة المحسومة انتخابيا في دائرة من الترقب القانوني والسياسي، في مشهد يعيد إلى الأذهان المثل الشعبي الشهير: “ضيّع الصيف اللبن”.
فـ”الصاك” المعلوم، الذي تم ضبطه بمدرسة القدس بحي كاساباراطا، وبداخله أوراق انتخابية، لم يعد مجرد واقعة عابرة في يوم الاقتراع، بل أصبح محور ملف مفتوح على التحقيقات والمتابعات. حيث تم توقيف الشخص الذي كان بحوزته الحقيبة في حينه، فيما أثارت صور ومقاطع متداولة لصندوق اقتراع يحتوي أغلفة بيضاء مزيدا من الجدل حول ما جرى داخل المركز الانتخابي.
وتطور الملف لاحقاً بإحالة عدد من المشتبه في تورطهم على ذمة التحقيق في حالة اعتقال، وعلى راسهم عمدة المدينة منير ليموري، الذي تم ايقافه بمطار طنجة انكاد حينما كان عائدا من مدينة مالكا الاسبانية، في انتظار ما ستكشف عنه الأبحاث القضائية، وما ستنتهي إليه الإجراءات القانونية المرتبطة بالوقائع موضوع البحث، دون استباق لما سيقرره القضاء بشأن المسؤوليات الفردية لكل طرف.
وزاد الملف ثقلاً بعدما أعلنت وزارة الداخلية، يوم 28 شتنبر، أن الخروقات موضوع البحث همت مكتبين للتصويت بالدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة، مؤكدة إيفاد لجنة تفتيش مركزية إلى المدينة لإجراء أبحاث إدارية والاطلاع على مختلف المعطيات المرتبطة بالوقائع، على أن يتم ترتيب الآثار والمسؤوليات القانونية والإدارية بناءً على نتائج تلك الأبحاث.
وفي انتظار اتضاح الصورة كاملة، يبقى الجزم بمصير الدائرة سابقا لأوانه، إذ إن احتمال إلغاء نتائج طنجة-أصيلة بكاملها يظل مجرد سيناريو قانوني ممكن، وليس نتيجة محسومة أو آلية لما وقع بمدرسة القدس.
فالاجتهاد القضائي الدستوري يميز بين المخالفات التي يمكن حصر أثرها في مكتب أو عدد محدود من مكاتب التصويت، وبين الاختلالات التي قد تمس بسلامة الاقتراع وصدقيته في الدائرة برمتها، وهذه الصلاحيات من اختصاص المحكمة الدستورية.
وبذلك، يجد الفائزون الخمسة أنفسهم أمام وضع غير مألوف؛ فالنتائج المعلنة منحتهم المقاعد، لكن تداعيات ملف مدرسة القدس أبقت باب المنازعة مفتوحاً، وحولت لحظة الاحتفال إلى فترة انتظار وترقب!، لما ستسفر عنه التحقيقات والطعون المحتملة.
إن “صاك” مدرسة القدس لم يُسقط، إلى حدود الآن، أي مقعد بحكم قضائي نهائي، لكنه نجح في تبديد جزء كبير من فرحة الفائزين، وأعاد دائرة طنجة-أصيلة إلى واجهة الجدل الانتخابي بعد انتهاء عملية التصويت.
وبين نتائج معلنة، وتحقيق قضائي، وتفتيش إداري، واحتمال لجوء متضررين إلى المحكمة الدستورية، تبدو طنجة-أصيلة اليوم أمام مرحلة جديدة لا تقل حساسية عن يوم الاقتراع نفسه.
وستبقى الكلمة القانونية النهائية للمحكمة الدستورية، متى عُرضت عليها طعون مستوفية للشروط، سواء بتثبيت النتائج، أو تصحيحها جزئياً، أو إلغاء الاقتراع إذا ثبت لها أن المخالفات المسجلة كانت من الجسامة والتأثير بما يمس صدقية العملية الانتخابية.
وإلى أن تُحسم كل هذه المسارات، سيظل مثل “ضيّع الصيف اللبن” التعبير الأقرب إلى مفارقة هذه الدائرة: فائزون عبروا خط الوصول انتخابياً، لكن “صاكاً” في مدرسة القدس أعاد الجميع إلى مربع الانتظار!.