تضع مشاورات تشكيل الحكومة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، المشهد السياسي أمام معادلة تتجاوز حساب المقاعد إلى اختبار قدرة الأحزاب على بناء تحالف منسجم، في مقابل معارضة قد تستعيد وزنا برلمانيا مهما إذا تأكد انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى صفوفها!، فالرهان المطروح هو مدى قدرة الأغلبية المقبلة على إنتاج حكومة تتحمل مسؤولية قراراتها وتستجيب لانتظارات المواطنين، ومدى استعداد المعارضة لتقديم بدائل وممارسة رقابة فعالة.
وبناء على الأرقام المطروحة، فإن تموقع الأحرار، صاحب 66 مقعدا، في المعارضة إلى جانب العدالة والتنمية بـ54 مقعدا وتحالف فيدرالية اليسار بثمانية مقاعد، سيرفع مجموع مقاعد هذه القوى إلى 128. وتظل هذه الفرضية مرتبطة بحسم موقف الأحرار رسميا، لكنها تكشف منذ الآن حجم الضغط السياسي الذي قد تواجهه الحكومة المقبلة.
أمام هذا الاحتمال، يبرز خيار أغلبية موسعة تضم الأصالة والمعاصرة ، الاستقلال ، الحركة الشعبية ، الاتحاد الاشتراكي ، التقدم والاشتراكية ،والاتحاد الدستوري، بمجموع 253 مقعدا، وهي صيغة تمنح المنصوري سندا برلمانيا واسعا، وتتيح توزيع المسؤولية السياسية على ستة أحزاب، لكنها تطرح في المقابل سؤال كلفة هذا الاتساع على سرعة القرار وتماسك الفريق الحكومي، اضافة الى ملف توزيع الحقائب والذي سيكون أول امتحان لقدرة رئيسة الحكومة على ضبط التوازنات، وإذا طغت حسابات التمثيل الحزبي على معيار الكفاءة، فقد تنشأ حكومة قوية في عدد المقاعد، لكنها تواجه صعوبة في التنسيق وتنفيذ الأولويات، وتزداد الصعوبة حين تتحول القطاعات الحكومية إلى مجالات نفوذ حزبي، أو يحاول الشركاء نسب الإنجازات إلى أنفسهم والتنصل من القرارات الشائكة..
أما الخيار الرباعي، الذي يجمع “البام” والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية بـ236 مقعدا، فيوفر تركيبة أقل تعقيدا من حيث عدد الشركاء، وقد يمنح المنصوري قدرة أكبر على تحديد المسؤوليات وإدارة الخلافات. غير أن تقليص عدد الأحزاب لا يضمن الانسجام تلقائيا، فهذه الصيغة تحتاج بدورها إلى برنامج مشترك واتفاق واضح بشأن الإصلاحات وأولويات الإنفاق وآليات التحكيم داخل الأغلبية.
وفي كلا السيناريوهين، يحتل حزب الاستقلال موقعا مركزيا. فمقاعده الـ65، مضافة إلى مقاعد الأصالة والمعاصرة الـ97، تشكل قاعدة من 162 مقعدا، تمنح الحزبين ثقلا مهما في بناء التحالف. وهذا الموقع يقوي القدرة التفاوضية للاستقلال، لكنه يرفع أيضا مستوى مسؤوليته في نجاح الحكومة، إذ سيكون شريكا رئيسيا في صياغة توجهاتها وتحمل حصيلتها.
وتبرز الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي كشريكين مؤثرين في الصيغة الرباعية، بينما يضيف التقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري هامشا عدديا وسياسيا إلى الصيغة الموسعة. لكن القيمة الفعلية لأي مشاركة ستتحدد بما يقدمه الحزب من كفاءات ومقترحات والتزام بالبرنامج، وليس فقط بحجم تمثيله أو عدد الحقائب التي يحصل عليها.
في الجهة المقابلة، يطرح احتمال انتقال الأحرار إلى المعارضة تحولا في طبيعة المنافسة السياسية. فالحزب الذي تحمل مسؤولية قيادة الحكومة السابقة سيكون مطالبا بتفسير موقعه الجديد وتقديم تقييم لحصيلته، قبل محاسبة خلفه. وستواجه انتقاداته أسئلة تتعلق بالاستمرارية: “ما الملفات التي ورثتها الحكومة الجديدة؟ وما القرارات التي بدأت في عهده؟ وأين تنتهي مسؤولية الفريق السابق وتبدأ مسؤولية الحكومة المقبلة؟”
وقد يمنح وجود الأحرار في المعارضة الحكومة الجديدة فرصة للدفاع عن اختياراتها باستحضار حصيلة سلفها، لكنه قد يدفع النقاش أيضا نحو تبادل الاتهامات! وهنا تظهر أهمية المؤسسات الرقابية والمعطيات الموثقة، حتى تتحول مساءلة التدبير السابق والحالي إلى ممارسة للمحاسبة، بدل استخدامها في تصفية الخلافات الحزبية.
أما العدالة والتنمية، فقد يتجه إلى معارضة أكثر حدة لحكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، مستندا إلى التنافس السياسي بين الحزبين، غير أن فعالية هذا الدور ستتوقف على قدرته على الجمع بين نقد السياسات واقتراح بدائل قابلة للتنفيذ، وعلى توظيف أدوات البرلمان في متابعة الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
ويملك تحالف فيدرالية اليسار، رغم محدودية عدد مقاعده مقارنة بالحزبين، مجالا للتأثير عبر إثارة قضايا العدالة الاجتماعية والخدمات العمومية والحقوق وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالحضور البرلماني لا يقاس بالأعداد وحدها؛ إذ يمكن لمبادرات رقابية دقيقة ومواقف واضحة أن تمنح أصحابها تأثيرا يتجاوز وزنهم العددي.
ومع ذلك، فإن اجتماع هذه القوى في المعارضة لا يجعل منها كتلة متجانسة. فاختلاف مرجعياتها ومواقفها من السياسات الاقتصادية والاجتماعية قد يسمح بتنسيقها في ملفات محددة، ويحد من قدرتها على تقديم تصور موحد. لذلك، قد تواجه الحكومة معارضات متعددة تتقاطع في بعض القضايا وتتباعد في أخرى، وهو وضع يفرض عليها الدفاع عن قراراتها أمام حجج متنوعة.
وسيكون الخطر الأكبر على حكومة المنصوري هو اجتماع ضغط المعارضة مع ضعف الانضباط داخل الأغلبية، فإذا احتفظ الشركاء بمسافة من قرارات الحكومة، أو مارسوا اعتراضاتهم عبر التصريحات العلنية بدل آليات التحالف، فقد تجد رئيسة الحكومة نفسها منشغلة بتدبير الخلافات الداخلية على حساب تنفيذ البرنامج.
ولهذا، تبدأ قوة الحكومة المقبلة من اتفاق سياسي يحدد الأولويات والمسؤوليات، ومن اختيار وزراء قادرين على تدبير قطاعاتهم وشرح قراراتهم وتحمل نتائجها. فالقدرة على مواجهة معارضة قوية تحتاج إلى حصيلة ملموسة وإجابات دقيقة، كما تحتاج إلى شفافية تمنع ترك الفراغ للشائعات والتأويلات.
وتبقى انتظارات المغاربة هي المعيار الذي سيحسم قيمة التحالف ومصداقية المعارضة معا. فالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية وتقليص الفوارق المجالية ستختبر جدية البرنامج الحكومي، بينما ستكشف طريقة متابعة هذه الملفات مدى استعداد المعارضة لخدمة المصلحة العامة.
قد تمنح المقاعد المنصوري أغلبية مريحة، لكن الثقة ستظل رهينة بما تنجزه حكومتها. وقد تمنح 128 مقعدا المعارضة صوتا مرتفعا، لكن تأثيرها سيعتمد على جودة رقابتها وبدائلها. وبين الطرفين، ينتظر المواطن أن تتحول المنافسة السياسية إلى تحسين في حياته، وأن يكون توزيع المسؤوليات مدخلا للعمل والمحاسبة، لا نهاية المشاورات وغاية التحالف.