“تغيير المسار” من الشعار إلى هندسة الحكومة!.. هل تعتمد المنصوري منطق “القطاع الكامل” لكل حزب مشارك.. لربط المسؤولية بالمحاسبة؟

بعد أن خاض حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر 2026 تحت شعار “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة!”، بات التحدي المطروح أمام رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، يتجاوز تشكيل أغلبية عددية داخل مجلس النواب، إلى بناء هندسة حكومية قادرة على إعطاء مضمون عملي يتماشى مع الشعار، وتحويله من عنوان انتخابي إلى طريقة مختلفة في التدبير السياسي والحكومي. ليكتسي هذا الرهان أهمية خاصة بعدما كلف الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، في 29 شتنبر 2026، بتشكيل الحكومة الجديدة عقب تصدر حزبها الانتخابات التشريعية

فالبرنامج الانتخابي لحزب “البام” بُني على خمسة مواثيق ، وعشرين التزاما قابلا للتتبع والقياس، وهو ما يعني أن الحزب ربط عرضه الانتخابي منذ البداية بمنطق النتائج ، وليس فقط بالشعارات العامة، ومن هنا يبرز سؤال مركزي في مشاورات تشكيل الحكومة: “هل ستعتمد المنصوري توزيعا تقليديا للحقائب بين الأحزاب المشاركة، أم ستتجه نحو منح كل مكون سياسي مسؤولية قطاع متكامل، حتى يصبح من الممكن تحديد المسؤوليات بوضوح عند تقييم الحصيلة؟”.

وهذا التصور، إن تم اعتماده، يمكن أن يشكل أحد أوجه “تغيير المسار”. فالتجارب الحكومية السابقة عرفت في أحيان كثيرة توزيع قطاعات مترابطة بين أكثر من حزب، وهو ما يجعل المسؤولية السياسية موزعة، ويصعّب على الرأي العام تحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية التعثر أو تستحق نسب الإنجاز.

وفي هذا السياق، أكدت رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في حوار سابق، أن الحزب يعتبر التدبير الفردي أو التجزيئي للقطاعات أسلوبا غير مجد، وأن السياسات العمومية ينبغي أن تكون مندمجة ومتكاملة، مع الإشارة إلى أن توزيع الوزارات لم يكن قد حُسم بعد.

وبمنطق هذه المقاربة، قد يصبح من الممكن تصور أقطاب حكومية واضحة،  حزب يتحمل مسؤولية المجال الاجتماعي بمختلف امتداداته، وآخر يتولى قطبا اقتصاديا وإنتاجيا متكاملا، ومكون ثالث يشرف على التعليم والتكوين والبحث، وحزب آخر يتحمل مسؤولية الثقافة والتواصل والشباب. الغاية هنا ليست مجرد اقتسام الحقائب، بل خلق نوع من “العقد السياسي القطاعي”،  ليطلع  المواطن على من يدبر القطاع، وبأي برنامج، وبأي أهداف؟، ثم تتم مساءلته عن النتائج عند نهاية الولاية.

ومن شأن هذا الأسلوب أن يحد من واحدة من أكثر الإشكالات التي رافقت الحكومات الائتلافية، وهي تبادل المسؤولية عند الإخفاق، فعندما تكون ملفات التشغيل موزعة بين أكثر من وزارة، أو الاستثمار بين قطاعات متعددة، أو الحماية الاجتماعية بين وزارات ذات انتماءات حزبية مختلفة، يصبح من السهل نسب النجاح إلى الجميع، وفي المقابل يصبح من الصعب تحديد المسؤول عن التعثر، أما حين يوضع قطاع متكامل تحت المسؤولية السياسية الواضحة لحزب بعينه، فإن قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة تصبح أكثر قابلية للتطبيق سياسيا وانتخابيا.

غير أن هذا الخيار، في المقابل، يفرض شروطا دقيقة، فالقطاعات الحكومية ليست جُزرا منفصلة، والاقتصاد يرتبط بالتعليم، والتشغيل بالاستثمار، والصحة بالحماية الاجتماعية، والثقافة بالتربية والتواصل. لذلك فإن منح كل حزب “مجاله” لا ينبغي أن يتحول إلى حكومات صغيرة داخل الحكومة، بل يفترض وجود تنسيق قوي من رئاسة الحكومة وبرنامج حكومي موحد يحدد الأهداف المشتركة ومؤشرات القياس وآجال الإنجاز.

وهنا يبرز الدور المحتمل لرئيسة الحكومة، باعتبارها الجهة التي ستضطر إلى الجمع بين منطقين: “احترام التوازنات السياسية داخل الأغلبية”، وفي الوقت نفسه منع تحول توزيع الحقائب إلى مجرد محاصصة حزبية. فــ”تغيير المسار” لن يُقاس بعدد الوزارات التي يحصل عليها كل حزب، بل بمدى وضوح المسؤولية داخل الحكومة، وقدرة رئاسة الحكومة على فرض الالتقائية بين القطاعات، ثم نشر حصيلة قابلة للقياس تسمح للمواطن بتقييم كل طرف على أساس ما أنجزه فعليا.

وهذا التوجه ينسجم أيضا مع الخطاب الذي رافق البرنامج الانتخابي لحزب الاصالة والمعاصرة، والذي ركز على أثر السياسات العمومية في الحياة اليومية للمواطن، وعلى التزامات قابلة للقياس والتتبع، فإذا أصبح كل حزب مسؤولا بصورة واضحة عن قطب حكومي محدد، فإن انتخابات 2031 قد تتحول إلى اسئلة مباشرة للحصيلة: “ماذا قدم الحزب الذي أشرف على التعليم؟ ماذا تحقق في الصحة والحماية الاجتماعية؟ ماذا أنجز المسؤول عن الاقتصاد والاستثمار والتشغيل؟ وماذا تغير في الثقافة والتواصل؟”

وبهذا المعنى، يمكن لشعار “تغيير المسار” أن ينتقل من مرحلة الخطاب الانتخابي، إلى اختبار مؤسساتي أكثر عمقا،  حكومة تقوم على وضوح الاختصاصات، والالتقائية في التنفيذ، وقياس النتائج، ثم تحميل المسؤولية السياسية لمن أدار القطاع، لكن نجاح هذا التصور سيظل رهينا بقدرة الأغلبية المقبلة على تجاوز منطق اقتسام المواقع، لأن توزيع الوزارات وحده لا يصنع “تغيير المسار”، فالذي سيصنعه فعليا هو أن يعرف المواطن، بعد خمس سنوات، من كان مسؤولا، ماذا وعد، ماذا أنجز؟، وعلى أي أساس سيحاسبه في صندوق الاقتراع؟!.

ح.ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.