حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.. من رمزية التغيير.. إلى امتحان الإنجاز والعدالة المجالية

يفتح تعيين أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة سياسية تحمل دلالة تاريخية، بتولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في المغرب، غير أن أهمية هذه اللحظة، بما تختزنه من رمزية في مسار حضور النساء بمراكز القرار، تقترن بمسؤولية سياسية واجتماعية ثقيلة: “تحويل التغيير في قيادة الجهاز التنفيذي إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين”. 

وبهذا ستكون الحكومة في مواجهة أسئلة التدبير والتنفيذ، وهي أسئلة تتصل بقدرة الأسرة على تحمل نفقات العيش، وفرص الشباب في الحصول على عمل، وجودة المدرسة والمستشفى، ومدى استفادة مختلف المناطق من الاستثمار والخدمات. 

ويمثل وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، مكسبا رمزيا لحضور المرأة في الحياة السياسية، لكنه يفتح أيضاً النقاش حول توسيع مشاركتها في مختلف مستويات المسؤولية، فالأثر الأعمق لهذه السابقة سيتحدد بمدى انعكاسها على تكافؤ الفرص، والتمكين الاقتصادي، وتيسير الولوج إلى مواقع القرار، كما أن تقييم أداء رئيسة الحكومة ينبغي أن يقوم على اختياراتها ونتائج عملها، وفق المعايير نفسها التي تُقاس بها المسؤولية السياسية.

وتجمع التشكيلة الحكومية بين استمرار مسؤولين في قطاعات أساسية، ودخول كفاءات جديدة، وعودة شخصيات ذات تجربة سابقة، ويوفر هذا التنوع إمكانية الجمع بين معرفة الملفات وتجديد مقاربات معالجتها، لكنه يفرض في المقابل، الإجابة عن سؤال الانسجام: “كيف تتحول تجارب وانتماءات متعددة إلى فريق يعمل وفق أولويات مشتركة؟”.

فالخبرة تمنح صاحبها قدرة على فهم الإدارة ومساطرها، لكنها تحتاج إلى استعداد لمراجعة طرق العمل، كما أن دخول أسماء جديدة يتيح أفكارا مختلفة، لكنه يستلزم سرعة استيعاب الملفات والقدرة على قيادة المؤسسات، ولذلك سيظل المعيار الحاسم هو كفاءة التنفيذ، وحسن اختيار فرق العمل، والتعاون بين القطاعات، وتحمل المسؤولية عند ظهور التعثر.

وتطرح الهندسة الحكومية الجديدة بدورها اختبارا عمليا، فتوسيع بعض اختصاصات الوزارات، والجمع بين ملفات متداخلة، وإحداث مسؤوليات منتدبة، يمكن أن يساعد على معالجة قضايا تتجاوز حدود قطاع واحد، غير أن هذا التنظيم يحتاج إلى توزيع واضح للصلاحيات، حتى لا تتعدد مراكز القرار أو تتداخل المسؤوليات ويصعب تحديد الجهة المعنية بالمحاسبة.

ويمنح الحضور السياسي داخل التشكيلة للأحزاب المشاركة مسؤولية واضحة في قيادة الإصلاحات والدفاع عنها، فالانتماء إلى الأغلبية يقتضي الالتزام ببرنامج مشترك، وتفسير القرارات، وتقديم الحصيلة أمام البرلمان والرأي العام، وسيكون من عوامل الاستقرار أن تُدار الخلافات داخل آليات منتظمة للحوار والتحكيم، وأن تتقدم المسؤولية الجماعية على الحسابات الحزبية الضيقة.

ويحتل التشغيل موقعا مركزيا في هذه المعادلة، لأنه يمنح الأسر دخلا مستقرا ويوسع قاعدة تمويل الحماية الاجتماعية، والتحدي هو خلق فرص عمل منتجة ومستدامة، مع تحسين شروط العمل والحد من الهشاشة المهنية، كما ينبغي أن يشمل التقييم فرص إدماج الشباب والنساء، وتوزيع الوظائف بين الجهات، ومدى استفادة حاملي الشهادات والفئات الأقل تأهيلا. 

وفي مجال الصحة، سيظل نجاح الإصلاح مرتبطا بتجربة المريض داخل المؤسسة العلاجية: “مدة الانتظار، وتوفر الأطر والدواء والتجهيزات، وكلفة العلاج والتنقل”، فتوسيع التغطية الصحية يرفع الطلب على الخدمات، ويحتاج إلى عرض علاجي قادر على الاستجابة، وإلى توزيع أكثر إنصافاً للموارد البشرية بين المناطق.

أما التعليم، فهو اختبار لمدى قدرة الحكومة على تحقيق نتائج تتجاوز الأمد القصير. فاستقرار المدرسة، وتحسين التعلمات الأساسية، والحد من الهدر، وتأهيل الأطر، وربط التكوين بآفاق مهنية، عناصر مترابطة تحتاج إلى استمرارية في الإصلاح وتقييم موضوعي. كما يقتضي الأمر تقوية الثقة بين الأسر والمدرسة والعاملين فيها، باعتبارها شرطاً لإنجاح أي تغيير.

وتجمع العدالة المجالية هذه الملفات في سؤال واحد: “هل تتاح للمواطن فرص متقاربة في العلاج والتعلم والعمل، بصرف النظر عن مكان إقامته؟ “، فالتفاوت بين المناطق يتحول إلى تفاوت في الفرص والكلفة، حين يضطر المريض إلى السفر، أو يغادر التلميذ الدراسة لبعد المؤسسة، أو يهاجر الشاب بحثاً عن أبسط شروط الإدماج. .

وعلى المستوى الدولي، تتطلب المرحلة رفع قدرة الاقتصاد على الصمود أمام تقلبات الطاقة والغذاء والنقل، وتنويع الأسواق والشراكات، ودعم تنافسية الإنتاج الوطني، ويتيح الاستثمار في الطاقات المتجددة والرقمنة والتكوين فرصاً لتقليص بعض مواطن التبعية، شريطة ربط المشاريع ببناء الخبرة المحلية وخلق قيمة مضافة وفرص عمل.

وتبقى مواكبة المجهود الدبلوماسي، تحت التوجيهات الملكية السامية ، وضمن اختصاصات الحكومة، مرتبطة بجودة التنفيذ الاقتصادي والتنموي، فتعزيز جاذبية المغرب وثقة شركائه يحتاج أيضاً إلى إدارة فعالة، وأمن قانوني، ووضوح في الإجراءات، وقدرة على إنجاز الالتزامات في آجالها.

وفي مختلف هذه الأوراش، سيكون التواصل الحكومي أداة للمساءلة وبناء الثقة، ويقتضي ذلك شرح أسباب القرارات وكلفتها، والإفصاح عن نسب الإنجاز والصعوبات، وتوفير المعطيات للصحافة والبرلمان والمواطنين. فالاعتراف بتعثر مشروع مع تقديم خطة لمعالجته يمكن أن يكون أكثر إقناعاً من الاكتفاء بخطاب عام عن المنجزات.

وستكتسب المرحلة الأولى من عمل الحكومة أهمية خاصة في تحديد منهجها، وضوح البرنامج، وترتيب الأولويات، وضبط الاختصاصات، وإطلاق الإجراءات الممكنة، ووضع آجال واقعية للإصلاحات الأعمق، كما سيكون من المفيد تقديم حصيلة دورية تتيح مقارنة الالتزامات بالنتائج، وتوضح أين تحقق التقدم وأين يلزم التصحيح.

وقد تبدأ حكومة المنصوري تجربتها برمزية تاريخية وتطلعات واسعة، لكن الثقة ستتراكم بقدر ما يشعر المواطن بتحسن في حياته. وحين يجد الشاب فرصة عمل، والمريض خدمة أقرب، والأسرة مدرسة أفضل، والمقاول إدارة أكثر استجابة، تصبح للتغيير السياسي قيمة ملموسة، وتلك هي المسؤولية التي ستحدد مكانة هذه التجربة في الحصيلة الوطنية.

ح/ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.