إصلاح قطاع الأوقاف العامة يشهد فصلا جديدا سنة 2018 من أجل تقوية مساهمته في مسار التنمية – حدث كم

إصلاح قطاع الأوقاف العامة يشهد فصلا جديدا سنة 2018 من أجل تقوية مساهمته في مسار التنمية

  إدريس اكديرة :تعتبر 2018 السنة التي شهد فيها إصلاح قطاع الأوقاف بالمملكة فصلا جديدا في مساره، وذلك تنفيذا لمضامين الرسالة السامية التي وجهها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في شهر يناير من السنة الجارية، إلى كل من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيس المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، والرامية إلى مواصلة إصلاح الأوقاف العامة، من أجل الحفاظ عليها وتثمينها وحسن تدبيرها، توخيا لإسهامها القوي في النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد.

فمع تنامي المجتمع المغربي، تظهر الحاجة إلى إعطاء الأموال الموقوفة وحمايتها حماية قانونية أكبر لتنميتها واستثمارها، وذلك لتحقيق الأهداف المنشودة منها، وهو ما تجسد بصدور مدونة للأوقاف جمعت بين دفتيها شتات النصوص القانونية المتعلقة بالوقف، والقواعد الفقهية الخاصة به المتناثرة في كتب الفقه الإسلامي، في انسجام تام يراعي خصوصية الوقف، ويساهم في توفير الحماية الفعالة له.

وبهذا الخصوص أكد جلالة الملك، في الظهير الشريف رقم 1.09.236 الصادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) المتعلق بمدونة الأوقاف، أنه “وعيا منا بأهمية الوقف، وبدوره الطلائعي، باعتباره ثروة وطنية وعنصرا فاعلا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد؛ ورغبة منا في تأطيره تأطيرا قانونيا حديثا، يمكنه من مواكبة التحولات الشاملة التي تعرفها بلادنا، ويراعي خصوصيته المستمدة من أحكام الفقه الإسلامي؛ وإيمانا من جلالتنا بأهمية تقنين القواعد الفقهية المتعلقة به، بما يدرأ تعدد الأقوال واختلاف التأويلات بشأنها، ويجمع شتاتها، ويحقق لها الانسجام مع مكونات المنظومة التشريعية المغربية؛ ومواصلة منا لمسيرة تحديث القوانين التي انطلقت في عهد جلالة والدنا المنعم أمير المؤمنين الحسن الثاني طيب الله ثراه، والتي أوليناها فائق عنايتنا وكبير اهتمامنا من خلال الحرص على مواكبتها لأحدث الأنظمة القانونية المعاصرة؛ وفقا لهذا المنهج، قررنا إصدار مدونة للأوقاف تجمع الأحكام الفقهية المتناثرة للوقف، وتحسم التضارب في أموره المختلفة، وتعيد تنظيم أحكامه القانونية شكلا ومضمونا، بما يضمن تقيدها بأحكام الفقه الإسلامي، ويضفي عليها طابعا عصريا متميزا”.

واعتبارا للدور التاريخي للوقف وأهميته في الدفع بعجلة التنمية في البلاد، ولإحياء وظائف الأوقاف الاجتماعية والتضامنية، دعا جلالة الملك محمد السادس، في شهر يناير الماضي، الإدارة المكلفة بتدبير قطاع الأوقاف العامة بالمغرب إلى إعداد مشروع استراتيجية على المدى الطويل لمواصلة إصلاح الأوقاف العامة بهدف تحديث أساليب تسييرها.

وتتمثل الأهداف الرئيسية لهذا الإصلاح في “الحفاظ على أملاك الأوقاف العامة، والرفع من مردوديتها، والنهوض بها، لضمان إسهامها بقدر أكبر في التنمية المستدامة للبلاد، وذلك وفقا لمقتضيات مدونة الأوقاف ولروح الوقف”.

فجلالة الملك محمد السادس يحرص، من منطلق مهامه الدينية والدستورية، للارتقاء بمؤسسة الأوقاف، سواء فيما يتعلق بإطارها القانوني، أو بآليات التسيير والمتابعة الخاصة بها، ومن ضمنها إصدار مدونة الأوقاف، وإقامة المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة.

وفي هذا الصدد، أهاب جلالة الملك بالإدارة المكلفة بتدبير هذه المؤسسة إلى إعداد مشروع استراتيجية على المدى الطويل، تهدف إلى تحديث أساليب تسييرها، وإلى وجوب رفع هذا المشروع إلى نظر جلالته السديد داخل أجل ستة أشهر، وإلى وجوب صياغة هذا المشروع في سياق يأخذ بعين الاعتبار الإكراهات الملزمة والفرص المتاحة على حد سواء، بالإضافة إلى كونه “مفصلا بما فيه الكفاية من حيث الأهداف المتوخى بلوغها، والوسائل المسخرة، ونوعية الأداء المنشود، مع تحديد جدول زمني دقيق للتنفيذ”.

وتعتمد هذه الاستراتيجية، ضمن أولوياتها، على الجرد النهائي لمجمل الأملاك الوقفية العامة؛ فضلا عن التدابير الواجب اتخاذها للحفاظ عليها، سواء على المستوى القانوني أو المادي. وكذا ارتكاز هذه الاستراتيجية على سياسة طموحة وواقعية لاستثمار وتثمين رصيد الأوقاف العامة، مع الحرص على أن تكون كل المشاريع لصالحها.

وبهذا الخصوص، أكد جلالة الملك على ضرورة أن تشكل هذه الاستراتيجية مرجعا ملزما للإدارة المكلفة حين وضعها للميزانيات السنوية المتعاقبة، وللمجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، في التقييمات الدورية التي ينجزها، مبرزا جلالته أنه “لكي تصبح آراء المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، ذات الصلة باحترام الشريعة، ملزمة للإدارة المكلفة بتدبير الأوقاف العامة، فإنها ستخضع، من الآن فصاعدا، لمصادقة المجلس العلمي الأعلى الذي سيتكفل بإبلاغ قراره لكل من إدارة الأوقاف والمجلس المكلف بالمراقبة”.

ويتعين على إدارة الأوقاف العامة، من منطوق الرسالة الملكية، أن تلتزم التزاما تاما بالمساطر وبالإجراءات المتعلقة بتنظيم الميزانية، وبمجال المالية والمحاسباتية، وكذا بتلك المرتبطة بالنفقات العمومية. كما يجب أن تحرص الإدارة المسؤولة على تدبير الأوقاف العامة على الاستفادة من الملاحظات والتوصيات الوجيهة التي يقدمها المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، والمتمخضة عن عمليات التدقيق والتقييم الموكولة إليه، قصد تصحيح الاختلالات وأوجه القصور التي يتم الكشف عنها.

وقد أوضحت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على موقعها الإلكتروني، أنها، بحكم رسالتها النبيلة في تولي إدارة أموال الوقف والمحافظة عليها واستثمارها على وجوه البر التي حبست من أجلها وفي مقدمتها خدمة مصالح الدين، فإنها تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التنموية تتجلى في المحافظة على الأصول الوقفية، والسعي إلى تحقيق نسبة نمو مرتفعة ومطردة لموارد الوقف.

كما تعمل الوزارة من أجل تجديد طرق استثمار الأموال الوقفية على تنميتها، واستحداث سبل وصيغ جديدة لاستثمار أموال الوقف، والانفتاح على مصادر تمويل جديدة، وتشجيع الأبحاث والدراسات المهتمة بميدان الأوقاف، وإنشاء المكتبات ورعايتها وتزويدها بالكتب، وإنجاز مشاريع خيرية أو استثمارية ذات طبيعة تنموية بعقد عدة شراكات واتفاقيات مع مؤسسات المجتمع التي لها مجالات وأهداف مشتركة مع الوقف.

وتسعى وزارة الأوقاف، كذلك، في إطار البحث عن التمويل اللازم لاستثمار الأملاك الوقفية، إلى دراسة إمكانية الاستفادة من بعض الصيغ الاستثمارية التي تتم دراستها والتوصية بها على أنها ملائمة للوقف.

وما فتئت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تعمل، على ضوء التوجيهات الملكية السامية في شأن إعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب، على إحياء مؤسسة الأوقاف وعقلنة تسييرها والرفع من تنمية مداخيلها حتى تظل هذه المؤسسة وفية لمقاصدها الشرعية والتضامنية والاجتماعية.

وكان العمل منصبا على تحقيق أهداف استراتيجية تنموية تتمثل في المحافظة على الأصول الوقفية وضمان الاستمرارية لدور الوقف بإخضاعها لنظام التحفيظ العقاري وتخصيص جزء من أموال الوقف لصيانة وإصلاح الأملاك، والسعي لتحقيق نسبة نمو مرتفعة ومطردة لموارد الوقف ليزداد دوره في أداء وظيفته، وتجديد طرق استثمار الأموال الوقفية وتنميتها باختيار أفضل الأساليب العصرية المتاحة المبنية على دراسات فقهية وقانونية والتي تلائم طبيعة الوقف وخصوصيته، واستحداث سبل وصيغ جديدة لاستثمار أموال الوقف من أجل تأمين دخل مرتفع للصرف منه على أوجه التحبيس وعدم الاكتفاء بالصيغ التقليدية القديمة (الإيجار، الاستثمارات العقارية…) على أن تكون أكثر أمانا، والانفتاح على مصادر تمويل جديدة، وتشجيع الأبحاث والدراسات المهتمة بميدان الأوقاف، خصوصا تلك المتعلقة بالاتجاهات المعاصرة في تطوير الاستثمار الوقفي.

التعليقات مغلقة.