معركة أنوال المجيدة : ملحمة خالدة تحمل ميسم الوطنية الحقة ودلالات الاعتزاز برصيد الذاكرة التاريخية الوطنية

يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير، غدا الخميس، الذكرى الخامسة والتسعين لمعركة أنوال المجيدة، التي حقق فيها المقاومون المغاربة الأفذاذ بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي انتصارا حاسما على قوات الاحتلال الأجنبي.
وذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في مقال بالمناسبة، أنه منذ مطلع القرن العشريـن، وتحديدا في الفترة الممتدة ما بين 1907-1912، قاد المقاوم الشريف محمد أمزيان حركة بطولية في مواجهة الغزاة، وخاض غمار عدة معارك ضد قوات الغزو الأجنبي، حقق فيها انتصارات باهرة، وظل صامدا في وجه الاحتـلال الأجنبي إلـى أن سقـط شهيدا في ساحـة الشرف والكرامـة يوم 15 مـاي 1912.
وجاءت مقاومة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي كامتداد لهذه المقاومة الريفية في الزمان والمكان، حيث استطاع بفضل كاريزميته وشخصيته القوية هيكلة حركة المقاومة وتنظيمها سياسيا واستراتيجيا وعسكريا ولوجيستيكيا، لتشمل مناطق الشمال بكاملها.
لقد تميزت حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي التحريرية بدقة التنظيم وقدرة الاستقطاب وبالتخطيط المحكم والإتقان في الأداء وإصابة الأهداف، إذ كانت معركة أنوال في يوليوز سنة 1921 بمثابة الضربة القاضية للقوات الأجنبية بفضل الأسلوب المتطور في حرب العصابات واستباق الأحداث واكتساح الميدان. وبعد مواجهات ضارية مع قوات الاحتلال، وصل قائدها العام الجنرال “سيلفستر”، الذي اشتهر بحنكته العسكرية، على رأس قوة عسكرية لفك الحصار عن قواته، لكنه عجز واضطر إلى الانسحاب والتراجع إلى مليلية، فلاحقه المجاهدون الريفيون بقيادة القائد البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتوجت هذه المعركة الكبرى، التي دارت رحاها بمنطقة أنوال، بانتصار ساحق للمجاهدين الأشاوس، مما شكل ضربة موجعة للغزاة المعتدين الذين تكبدوا خسائر فادحة في الجنود والعتاد، حيث قدر عدد القتلى بالآلاف من بينهم الجنرال “سلفستر”، كما غنم المجاهدون أسلحة متطورة كثيرة ومتنوعة.
وبعدما تكبدت الهزائم، تراجعت القوات الاستعمارية وتمركزت بمدينة مليلية، بينما حظيت حركة التحرير الوطني بتأييد وإعجاب العديد من حركات التحرير في العالم المؤيدة للشعوب المضطهدة، التي اعتبرتها مدرسة مرجعية في فنون حرب العصابات.
لقد منيت القوات الاستعمارية خلال معركة أنوال بهزيمة ثقيلة أربكت حسابات المحتل الأجنبي الذي اهتزت أركانه واضطر بذلك للتفاوض مع المجاهدين لحفظ ماء وجهه.
وبالرغم من تحالف قوات الاستعمارين الاسباني والفرنسي، استطاع البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي وأنصاره الصمود في وجه قوات الظلم والطغيان لمدة سنة كاملة، دخل خلالها في مفاوضات معهما، حيث جرت عدة لقاءات ومحادثات مع القوتين العسكريتين، أسفرت عن قبول شرط إيقاف الحرب الريفية دون تسليم الأسلحة. وبعد أن تبين للقائـد البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي أن هذه الحرب غير متكافئة بين الجانبين، فضل تسليم نفسه للمحتل الفرنسي حقنا للدماء صبيحة يوم 26 ماي 1926. وتواصلت نضالات أبناء الشمال وساكنة مناطق الريف مع نشوء وبروز الحركة الوطنية والتحريرية ودعم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين في 18 نونبر 1927.
وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تخلد ذكرى معركة أنوال المجيدة، لتتوخى استحضار بطولات ملحمة التحرير والوحدة، والإشادة بأمجادها وروائعها ورموزها وأبطالها وتنوير أذهان الناشئة والأجيال الجديدة بدروسها وعبرها تحصينا لها في مسيرات المغرب الظافرة، دفاعا عن مقدساته الدينية وثوابته الوطنية ومقوماته التاريخية والحضارية، وتطلعا إلى انجاز المشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي والنهضوي والتنموي الذي يقوده ويرعاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بعزم واقتدار وبعد نظر لمواصلة إعلاء صروح الوطن القوي والمتقدم والمعتز بأمجاده التاريخية وروائعه النضالية.

وشددت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على ضرورة استحضار، بمناسبة حلول الذكرى الخامسة والتسعين لملحمة أنوال الخالدة، أمجاد وروائع الكفاح الوطني في سبيل الدفاع عن حرية واستقلال بلادنا، والحفاظ على وحدتها الترابية المقدسة، وما جسدته من القيم والمثل العليا والمواقف البطولية في الالتزام والوفاء والتضحية والفداء ليظل الوطن شامخا مهاب الجانب ومرفوع الرأس.
واستشهدت، بهذه المناسبة، بما ورد في الخطاب السامي لجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة، والذي حمل إشارات قوية ورسائل بليغة في واجب الاعتزاز بالوطن والتشبث بالقيم الوطنية الحقة والمواطنة الصالحة والايجابية، حيث قال جلالته: “…. وأنتم أيضا، يجب أن تعبروا عن هذا الاعتزاز بالوطن، وأن تجسدوه كل يوم، وفي كل لحظة، في عملكم وتعاملكم، وفي خطاباتكم، وفي بيوتكم، وفي القيام بمسؤولياتكم.
ولمن لا يدرك معنى حب الوطن، ويحمد الله تعالى، على ما أعطاه لهذا البلد، أقول: تابعوا ما يقع في العديد من دول المنطقة، فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر. أما المغرب فسيواصل طريقه بثقة للحاق بالدول الصاعدة.
إن هذا الاعتزاز بالانتماء للمغرب هو شعور وطني صادق ينبغي أن يحس به جميع المغاربة.
إنه شعور لا يباع ولا يشترى، ولا يسقط من السماء. بل هو إحساس نبيل، نابع من القلب، عماده حسن التربية، على حب الوطن وعلى مكارم الأخلاق.إنه إحساس يكبر مع المواطن، ويعمق إيمانه وارتباطه بوطنه”.
وباحتفائها بهذه الذكرى العظيمة، التي يحق لكل المغاربة الاعتزاز بحمولتها الوطنية ورمزيتها وقيمتها التاريخية، تستحضر أسرة المقاومة وجيش التحرير ملاحم الكفاح الوطني في سبيل تحقيق الاستقلال والوحدة الترابية، وتستلهم منها قيم الصمود والتعبئة الوطنية المستمرة والالتحام الوثيق بين أبناء الشعب المغربي من أقصى تخوم الصحراء إلى أقصى ربوع الشمال، وتؤكد مجددا تجندها الدائم والموصول صيانة للوحدة الترابية الراسخة التي لا تزيدها مناورات الخصوم إلا وثوقا وصمودا وثباتا.
وإذ تحرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في كل سنة على تخليد هذه الذكرى المجيدة ومثيلاتها من الذكريات والمناسبات الغراء، فإنها تتوخى الاستحضار التاريخي لأمجاد وروائع الكفاح الوطني، ومواصلة إشاعة ثقافة القيم الوطنية والمواطنة الإيجابية والسلوك المدني القويم في صفوف وأوساط سائر الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية وخاصة منها الشباب والناشئة والأجيال الجديدة، لتتقوى فيها الروح الوطنية وحب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه وبخدمته في مسيرات الحاضر والمستقبل التي يقودها ويرعاها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
والمناسبة سانحة للإشارة إلى مشروع تدوين وتوثيق الذاكرة التاريخية للفترة من 1926 إلى 1946 التي قضاها البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي في منفاه بجزيرة لارينيون قبل لجوئه إلى مصر، فقد قر العزم على تكليف كاتب مغربي مقيم بهذه الجزيرة بتأليف كتاب يؤرخ للمشترك التاريخي المغربي-اللارنيوني الذي راكمته أوضاع المنفى وتجلياته في توطيد عرى التواصل والتضامن والتقارب بين الشعوب والقيم الإنسانية المثلى.

حدث كم/و.م.ع

 

التعليقات مغلقة.