وجه جلالة الملك محمد السادس خطابا ساميا إلى شعبه بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب،في إطار احتفال الملك والشعب ككل سنة، وقد تضمن الخطاب الملكي مايلي:
ا/ على المستوى التاريخي
. ذكر الخطاب الملكي بهذه المناسبة الملاحم البطولية واستحضار المعاني التاريخية التي تميزت بها هذه الذكرى من قيم المواطنة والوطنية والتضحية والوفاء المتبادل.
وجعلها متواصلة من جيل إلى جيل والتي على الأجيال فهمها فهما دقيقا لتقوية الشعور بالوطنية وبتاريخ الأمة المغربية.
وقد لخص جلالة الملك فترة والده المرحوم الملك الحسن الثاني بأنها فترة لإرساء دعائم الدولة المغربية الحديثة، بمؤسساتها الديمقراطية، وخياراتها الإقتصادية والإجتماعية والحقوقية، وأن الملك محمد السادس
يواصل استكمال الرسالة بأمانة وإخلاص لخدمة الشعب المغربي، وهى إشارة مهمة تؤكد من جديد المنجزات الهامة التي تمت بعد استقلال المغرب، وأن استكمال بناء المغرب الحديث مستمر مع الملك محمد السادس مع جرعة قوية من المواطنة ورغبة جامحة لإحداث الاقلاع الاقتصادي الشامل بالمغرب كدولة صاعدة.
ب/على مستوى مهام اللجنة الخاصة
.أن الخطاب الملكي رغم أنه جاء في مناسبة تاريخية إلا أنه خصص حيزا مهما للحديث عن التنمية. وهذه العملية فيها رسالة مفادها بأن الشعوب التي لها تاريخ قوي سيكون لها مستقبل قوي وتتجاوز كل الصعاب بإرادة نخبها وبمشاركة شبابها، من أجل مستقبل أفضل. كما أن الخطاب جعل المواطن المغربي في صلب التنمية، وهي إشارة إلى ضرورة تغيير السياسات العمومية بهدف تحقيق هذا المبتغى الذي أصبح مطلبا لكل مغربي، لأن تنمية المجال بالإنسان وليس بغيره.
كما ذكر الخطاب بالمنهجية التي يجب اعتمادها عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات الكبرى والتي تتجلى في مقاربة تشاركية وإدماجية وهي منهجية ديموقراطية، والتي يجب أن تنخرط فيها جميع القوى الحية للأمة من خلال إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي التي تحدث عنها جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش وأعاد الحديث عنها بهذه المناسبة مما يدل على أن هذه اللجنة الخاصة ستكون على عاتقها مسؤولية كبيرة لفك الحصار عن مسار النمو بالمغرب الذي بقي محدودا بسبب الإسهاب في النقاش السياسوي والشعبوي وإهمال النقاش الإقتصادي، وابتعاد القطاع الخاص عن التنمية ببلادنا، وترك الدولة المعني الوحيد بالتنمية في ظل مناخ دولي تطبعه المبادرة الحرة والتنافسية الدولية على الإنتاج والتصدير والإستثمار.
وقد رسم جلالة الملك عمل اللجنة الخاصة لتقوم بمهمة ثلاثية: تقويمية واستباقية واستشرافية ،وهي منهجية علمية متطورة للخروج بوصفة نحو الثقة في المستقبل عبر اقتصاد قوى يشارك فيه الجميع.
وأعتقد أن إشارة الخطاب الملكي إلى أن المطلوب من اللجنة الخاصة هو (نموذج مغربي مغربي خالص) هو ترسيخ على أن فكرة استلهام نموذج تنموي جديد هو فكرة ملكية مستوحاة من تشخيص الواقع ودراسته وليست فكرة مستوردة من أي جهة،
وبالتالي فإن هذا النموذج سيكون مشروعا لكل المغاربة أفرادا وجماعات ومؤسسات ،وستنخرط فيه الدولة بحميع مؤسساتها، وكل القوى الحية لتأسيس مرحلة المسؤولية والإقلاع الشامل بالمغرب من أجل تحسين ظروف عيش المواطنين، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.وهنا يجب استحضار أفق سنة 2040 بكل أبعاده الجيوسياسية والجيواقتصادية، وليس استحضار الهرولة الإرتجالية لمحطة سنة 2021، بدون أهداف محددة .لأن المحطات القادمة كيفما كانت لامجال فيها للخطأ السياسي أو للإقتصاد الإفتراضي، لأن المواطن أصبح اليوم يحاسب المسؤولين قبل المؤسسات المعنية بالمحاسبة.
ج/ على مستوى المواضيع
1.الفلاحة : يبدو أن القطاع الفلاحي لازال يعاني من العديد الإختلالات المجالية القروية، رغم المجهودات التي بذلت والتي استفاد منها سكان المدن الذين يستثمرون في الفلاحة ولم يستفد منها سكان العالم القروى، مما يساهم سنويا في هجرة منظمة إلى المدن.
وقد حدد الخطاب الملكي بأن الفئات التي تعاني أكثر من صعوبة ظروف العيش، تتواجد في المجال القروي وفي ضواحي المدن مما يدل على ضرورة إعادة صياغة التنمية في العالم القروي من أجل خلق الأنشطة الدائمة والمدرة للدخل والشغل على طول السنة ولتثبيث ساكنة العالم القروي وتقليص الهجرة إلى المدن، بالإضافة إلى توفير الخدمات الإجتماعية الضرورية من تعليم وصحة، ومحاربة الفقر والهشاشة.
ورغم الحجم المالي الذي رصد للعالم ما يقرب من خمسين مليار درهم، في الفترة ما بين 2016 و2022 إلا أن أكثر من 60% لم يستفيذ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من هذا الدعم المالي الهام.
- التكوين المهني والقطاعات غير الفلاحية
ربط الخطاب الملكي القطاعات غير الفلاحية بالتكوين المهني والتشغيل مثل السياحةالقروية،وقطاع الخدمات والصناعات التقليدية والتجارة والصناعات المحلية
والمهن الجديدة للمغرب، كصناعة السيارات والطائرات، وفي مجال التكنولوجيات الحديثة. وذلك من أجل تشجيع المبادرة الخاصة، والتشغيل الذاتي وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج في سوق الشغل والمشاركة في تنمية البلاد.
وبالتالي فإن الأهم هو حصول الشباب على تكوين جيد يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي.فالنهوض بالتكوين المهني أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط من أجل توفير فرص العمل، وإنما أيضا لتأهيل المغرب، لرفع تحديات التنافسية الاقتصادية، ومواكبة التطورات العالمية، في مختلف المجالات.
- على المستوى الإجتماعي
.يبدو أن الخطاب الملكي ركز على الاهتمام بالطبقة الوسطى من أجل توازن إجتماعي وسوسيو إقتصادي وعامل تماسك واستقرار، لأنها أساس البنيان الاجتماعي
حتى لايفقد المجتمع توازنه، وهذا يتطلب توفير الظروف الملائمة، لتقويتها وتوسيع قاعدتها، وفتح آفاق الترقي منها وإليها.لكن صناعة الطبقة الوسطى يجب أن تشمل المدن والقرى حتى يكون هناك توازن سكاني في المجال.
- على مستوى النمو الاقتصادي
.أن من بينة أهم نقطة ذكرت في الخطاب(… إنها تحديات لن يتم رفعها إلا بتحقيق مستويات عليا من النمو، وخلق المزيد من الثروات، وتحقيق العدالة في توزيع ثمارها)
أعتقد أن العنصر المفصلي في عملية التنمية نو تحقيق النمو، لتعم التنمية الجمالية، لكن البنية الإقتصادية الحالية لا تساعد على تحقيق النمو المنشود، وهذا يتطلب نموذج جديد للنمو وفق بنية اقتصادية جديدة تراعى فيها البعد المحلي والجهوي للمغرب والبعد الاقليمي والدولي.
5.على مستوى الجهوية
إن الحديث عن الجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري مع الحديث عن النموذج التنموي الجديد يجعل من الجهوية الآلية من الآليات التي ستمكن من الرفع من الاستثمار والقدرة على تنفيذ العدالة المجالية.
عبر إيجاد الكفاءات المؤهلة، على المستوى الجهوي والمحلي، لرفع تحديات المرحلة الجديدة.
أعتقد أن تذكير الخطاب الملكي بالمسؤولية المشتركة كان إشارة بالغة على أن التنمية مسؤولية الجميع بمافيها المواطن الملزم بالحقوق والوجبات،وأعتقد أن مسار تصحيح الأخطاء والإعتراف بنقط القوة والضعف هو المحدد لمسار النمو المطلوب في المستقبل
+أستاذ التعليم العالي
التعليقات مغلقة.