بقلم السيد أحمد الحليمي علمي : منذ تسجيل أول حالة مؤكدة لإصابة ساكنته بفيروس كورونا (COVID-19)، رسميًا في 2 مارس 2020، عرف المغرب كيف يستثمر بسرعة الدروس المستقاة من التجارب الدولية في مكافحة هذا الفيروس الفتاك والمعدي، وذلك باتخاذه بحزم التدابير التي أثبتت فعاليتها من أجل التصدي لانتشار الجائحة على ترابه الوطني.
إلى جانب الإغلاق الفوري للحدود ومؤسسات التعليم والتكوين، وتعبئة كل الطاقات الاستقبالية لنظامه الاستشفائي والصحي، قام المغرب بتطبيق جذري لعملية الحجر الصحي قوية الرمزية وإعلان حالة الطوارئ الصحية لفرض احترام قواعدها، مصحوبة بحملة تواصلية مكثفة من أجل حث المواطنين على احترام ممارسات التباعد الاجتماعي والاحتياطات الاحترازية والوقائية أو تدابير أخرى فردية أو جماعية للحماية الذاتية.
سياق تعبئة وطنية شاملة
إن التعبئة الاستثنائية للموارد المالية ذات المصدر العمومي والخاص، والتي واكبت هذه المبادرات على الصعيد الصحي، قد ساهمت في انخراط واسع للسكان في حملة وطنية رائدة لمواجهة جائحة كان من شأن انتشارها، في غياب ذلك، أن تعاني المجموعة الوطنية من سيناريو “كارثي” من نوع سيناريو “المناعة الجماعية” بما ينطوي عليه من ملايين من الأشخاص المصابين ومئات الآلاف من الوفيات.
وقد كان من الطبيعي، في ظل هذه الظروف، أن تساهم المندوبية السامية للتخطيط، في حدود اختصاصاتها، في هذه التعبئة الجماعية من خلال دراسة تقييمية لآثار الحجر شبه الشامل للساكنة النشيطة ببلادنا، سواء على عرض المنتوجات والخدمات أو على الطلب الداخلي والخارجي وكذا بإنجازها لبحوث خاصة من أجل لتتبع نمط تكييف الأسر لظروف معيشتها في ظل هذا السياق العصيب.
وقد تبدو هذه الدراسة، بالنظر لموضوعها، شادة مقارنة بالدراسات التقليدية للمندوبية السامية للتخطيط، بينما لها قرابة مع الدراسات المستقبلية “مغرب 2030” التي سبق أن أنجزتها هذه المؤسسة حول مواضيع ذات طابع اقتصادي وجيوستراتيجي، نذكر منها على الخصوص، “الأزمات غير الاعتيادية” التي كانت موضوع ندوة دولية نظمت بالدار البيضاء يومي 19 و20 يناير 2007.
والحقيقي أن هذه الدراسة قد انطلقت بمبادرة من المدير العام للإحصاء والمحاسبة الوطنية، من الخبرات الإحصائية للمندوبية السامية للتخطيط، ممثلة على الخصوص بمدير الإحصاء ومركز الدراسات والأبحاث الديموغرافية، والمختص في الرياضيات بالفريق، أحد الأطر الشابة بمديرية التوقعات والمستقبلية.
تحديات نمذجة الجائحة
ونظرا لما هو مؤكد إحصائيا من تباين شدة وإماتة الجائحة بحسب مستوى الأعمار والحالة المرضية للساكنة، كان من الوجاهة الإسهام في توفير إضاءة حول تحليل آثارها، مع اعتماد هذه الجوانب الديموغرافية الوطنية مع إبراز الساكنة النشيطة باعتبار أولوية رفع الحجر الصحي عنها وكذا ما يكتسيه دورها في إعادة الاستعجالية لتحريك الاقتصاد الوطني. كما كان مما هو وارد أن يعتمد التحليل على المرجعية الرسمية للتدابير الصحية كما تعلن عنها السلطات الوطنية المختصة سواء من حيث رزمانتها الزمنية أو مؤشرات نتائجها الإحصائية.
ولهذا، فإن مقاربة وضع سيناريوهات التطورات المحتملة للوضع الوبائي في بلادنا، في أفق الخروج من الحجر، يجب تناولها على طبيعتها والغرض منها هو قبل كل شيئ تمرين منهجي وبيداغوجي، واعتبار خلاصاتها بمثابة تأشير على إبراز المناحي المنتظرة لهذه التطورات، وذلك من أجل تنبيه الرأي العام وإثارة الباحثين و ربما تنوير مراكز صنع القرار، دون ادعاء أي احتكار للخبرة أو استيفاء جميع جوانب الموضوع ولا مشروعية مؤسساتية خاصة.
وهكذا، فإن الهدف المحدد لهذا التمرين هو، قبل كل شيء، تزويد المندوبية السامية للتخطيط بقاعدة تجريبية للمعرفة حول موضوع جديد يتعين عليها أن تستثمرها لاحقًا من أجل إلمام أفضل بالسياق الوطني للجائحة، واعتمادها حين تكون شروط رفع الحجر الصحي قد تقررت من طرف السلطات المختصة وتكون المعلومات المتصلة بها متوفرة بشكل كامل ومفصل وحبذا لو كانت تشمل الصعيدين الوطني والجهوي. وعلى هذا الأساس، يجب، بكل تأكيد، اعتبار أن هذه المحاولة، كما تم التخطيط لها، تقتصر، في المرحلة الراهنة من مقاربتنا، على سيناريوهين رئيسيين لرفع الحجر، أحدهما عام والآخر جزئي، يستبعد كلاهما فئات السكان الأكثر عرضة، في حالة الإصابة، للمخاطر القصوى للإنعاش والوفاة، ويركزان على النشيطين المشتغلين بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية للبلاد.
ومن المؤكد أن كل نمذجة هي، بطبيعتها، عمل مجرد يروم بالخصوص إثارة التفكير وربما تنوير عملية صنع القرار ولا يمكن أن تدعي مقارنة نتائجها وبالأحرى تعويض ما يتم استخلاصه من دروس التاريخ وما يستفاد من خلاصات المؤسسات الدستورية المعبرة عن إرادة المواطنين. ولم تكن هذه البديهية من الوضوح أكثر مما هو عليه في حالة هذه الجائحة التي يتميز فيروسها بسرعة انتشاره بنفس مستوى قوة تسلطه على الضحايا الأقل مناعة بقدر ما يتميز به من مقاومة الكشف على إفشاء أسرار هويته وميكانيزمات سلوك بيولوجيته.
وهكذا، لم يعد اليوم بدا من الاعتراف بأنه في غياب موسمية مؤملة لحياة هذا الفيروس على غرار”SARS 2002″ أو “MERS 2012” و كذا في غياب اكتشاف علاجات وحبذا لقاحات ذات فعالية استثنائية، يظل الحل الجذري لمواجهة انتشاره هو اللجوء إلى حجر للساكنة بما يصحبه من تدابير وقائية وعلاجية سواء لما يرجع منها للسلطات العمومية (الاختبارات، والعلاجات، وعزل المصابين، والعرض الاستشفائي،…) ولما يعود للمواطنين (التباعد الاجتماعي، إجراءات الوقاية، الأقنعة،…)
الحجر الصحي واقتصاد المناعة
مهما كانت الفعالية الوقائية للحجر الصحي، فإنه إجراء غير مستدام وغير قابل للاستمرارية على المدى البعيد. ومن ثم فإن رفع الحجر الصحي أمر حتمي تمليه ضرورة وضع سياسة لفترة ما بعد الجائحة لتعزيز المناعة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وتلطيف المناخ النفسي ببلادنا. وتتوقف طرق ووتيرة تفعيله، بالضرورة وبنفس القدر، على المتطلبات القطاعية لإعادة التوازنات الأساسية للاقتصاد الوطني وعلى حتميات المعالجة التوافقية للمخلفات الاجتماعية والنفسية للوباء.
وإلى ذلك، تظل المندوبية السامية للتخطيط مستعدة لمواصلة هذه المقاربة التمرينية وإعداد السيناريوهات المرغوب فيها للرفع التدريجي للحجر بقدر كبير من الإفادة والدقة، لا سيما عندما يتم تحديد ومعرفة استراتيجيات الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، وإذا تم بطبيعة الحال توفير المعطيات المتعلقة بها، دون قيد، من طرف المؤسسات الوطنية التي تنتجها أو تتوفر عليها.
على أن الدرس الكبير الذي نعتبره أساسيا في ما أتت به هذه السيناريوهات، مما يستحق أن يتم التأكيد عليه، هي الأهمية الحيوية للمجهود الذي يتعين على كل مواطن بذله من أجل الاحترام التام لممارسات التباعد الاجتماعي والتدابير الاحترازية وارتداء الكمامات ومختلف التدابير الفردية أو الجماعية للحماية الذاتية، حتى يتحمل كل فرد نصيبه من المسؤولية في حماية الأمة.
وبدون هذا الانضباط الفردي لكل واحد منا، يمكن للوباء، في أقل من 100 يوم، حسب تقديرات أحد سيناريوهات رفع الحجر الصحي الأكثر احتمالا للوقوع، أن تتضاعف معه حالات الإصابة 8 مرات وأن تتضاعف الحاجة إلى أسرة الإنعاش، ويؤدي، بالتالي، إلى إفشال السياسة الوطنية الاستشفائية للتكفل بالحالات النشيطة. وهذا ما يبرز معه حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل واحد منا تجاه أنفسنا وعائلتنا والأمة التي نستمد منها هويتنا.


التعليقات مغلقة.