في سياق الترافُع القويّ الذي كان حزبُ التقدم والاشتراكية سَبَّاقاً إليه، من داخل البرلمان ومن خارجه، ضِــــدَّ مقتضياتِ القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، منذ أنْ جاءت به مشروعاً هذه الحكومةُ الحالية، حيثُ اعتبرناه، منذ البداية، مُخالِفاً للدستور، ومتنافيًّا مع الاختيار الديمقراطي، وتراجُعاً عن مكتسباتِ التنظيم الذاتي والمستقل والديمقراطي لمهنة الصحافة؛
وفي إطار متابعته لمسار هذا النص التشريعي، ذي الأبعاد المجتمعية والديمقراطية والحقوقية، والمرتبط بحرية التعبير والرأي؛ والذي فشلت، اليوم، الحكومةُ في تمريره، رغم تعنُّــــــتِــــهَا، ورغم استقوائها بأغلبيتها العددية في البرلمان بغرفتيْه، في تجاهلٍ تام لنداءات وملاحظات الفاعلين المهنيين والسياسيين الديمقراطيين، ولآراء مؤسساتٍ وطنية دستورية، كما دأبَت الحكومةُ الحالية على هذا الأسلوب في تعاطيها مع كل النصوص التي تسعى نحو تمريرها بشكلٍ متعسِّف من دون إشراكٍ ولا تشاوُر.
فقد أخذ المكتبُ السياسي لحزب التقدم والاشتراكية عِلْماً بالقرار رقـم: 26/261 م.د، الصادر عن المحكمة الدستورية، يومه الخميس 22 يناير 2026، المتعلق بمدى مطابقة مواد القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة للدستور، بناءً على الإحالة التي بادرت إلى القيام بها مكوناتُ المعارضة بمجلس النواب، ومنها نائباتُ ونواب فريق التقدم والاشتراكية، طِبقاً لمقتضيات الدستور ذات الصلة.
في هذا الإطار، وإذ يُـــــهَـــــنِّـــــئُ حزبُ التقدم والاشتراكية الجِسمَ الإعلامي على هذا الانتصار لروح الدستور ومنطوقه، فإنه يُــثَــمِّنُ التفاعُلَ السريع والناجع للمحكمة الدستورية مع هذه الإحالة البرلمانية، شكلاً وموضوعاً، بما يكرِّسُ سُمُوَّ الدستور ومكانة القضاء الدستوري، وبما يُعزز الممارساتِ الفُضلى المنسجمة مع ثابت الاختيار الديمقراطي لبلادنا.
وعلى مستوى المضمون، تلقَّى إيجاباً المكتبُ السياسي لحزب التقدم والاشتراكية قرارَ المحكمة الدستورية القاضي باعتبار المواد 4 (الفقرة الأخيرة) و5 (البند ب) و49 و57 (الفقرة الأولى) و93، مخالِفًة للدستور. ويَعتبرُ الحزبُ هذا القرارَ تصحيحاً لتَوَجُّهٍ تشريعي تعسُّفي، للحكومة وأغلبيتها، يَمُسُّ فضاءً أساسيًّا من فضاءاتِ حرية الرأي والتعبير والتعددية كَعُمْقٍ للممارسة الديمقراطية.
ويتعلق الأمر بعدم دستورية الاقتصار على عضويْن، دون باقي أعضاء المجلس الوطني للصحافة، في الإشراف على إعداد التقرير السنوي الذي من المفروض أن يعكس وضعية أخلاقيات المهنة ومؤشرات احترام حرية الممارسة الصحفية وأوضاع الصحافة والصحافيين بالمغرب؛
كما يتعلق الأمر بعدم دستورية الإخلال بالأسُس الديمقراطية لتنظيم الصحافة، من خلال عدم استناد القانون المذكور على أيِّ سندٍ موضوعي يُبرر ترجيح عدد أعضاء فئة الناشرين في المجلس الوطني للصحافة على عدد أعضاء فئة الصحفيين المهنيين.
ويتعلق الأمر، كذلك، بعدم دستورية المقتضى الذي من شأنه أنْ يُؤدي إلى انفراد منظمةٍ مهنية واحدة للناشرين بالتمثيلية، بما يُخالِفُ ضمان التعددية.
كما يرتبط الأمر بعدم جواز اعتماد تقنية تشريعية، في انتخاب الرئيس ونائبه، تُحَدِّدُ نتيجةً معينةً دون توافر الشروط القانونية والموضوعية اللازمة لضمان تحقيقها.
ويرتبط الأمر، كذلك، بعدم دستورية خرق النص المذكور لمبدأ الحياد الذي يُعَدُّ من المبادئ الدستورية المستخلصة من ضمانات المحاكمة العادلة، وذلك من خلال اعتماد رئيس لجنة الأخلاقيات ضمن أعضاء لجنة الاستئناف التأديبية.
على هذه الأسس، فإن حزب التقدم والاشتراكية، إذْ يُذَكِّرُ بمواقفه الثابتة إزاء هذا الموضوع، حيثُ طالبنا بسحب النص حينما كان لا يزالُ مشروعاً يُتَداوَلُ بشأنه في البرلمان؛
فإنه، اليوم، وبعد صدور قرار المحكمة الدستورية، والذي يؤكد المرتكزات الأساسية التي استند عليها الحزبُ في ترافُعه بخصوص الموضوع. وبما أن المقتضيات التي قضت المحكمة الدستورية بمخالَفَتِها للدستور تكتسي طابَعاً جوهريًّا وتُـــــؤَثِّـــــرُ على النص بِرُمَّتِهِ وفي شموليته؛
يُطالِبُ الحزبُ الحكومة بتحمُّلِ مسؤوليتها الدستورية والسياسية والقانونية، وفتح النقاش، من البداية، بكل جدية وانفتاح، وبإشراك جميع الفرقاء المعنيين فعلياًّ، وذلك وفق حسٍّ ديمقراطي حقيقي وروحٍ بنَّاءة، حول كافة مقتضيات هذا النص التشريعي الهام والمجتمعي، من أجل بلورةٍ مشروعٍ جديد يَصُونُ حرية التعبير والرأي والتعددية، ويحفظ لمهنة الصحافة حَقَّها في تدبير شؤونها باستقلالية وحرية وديمقراطية.