بعد اخنوش..هل تم فتح “القفص للحمامة” قبل الاوان لكي ترسو في”حقل..!” تم تصميمه بعناية ليكون مقراً للحكومة المقبلة؟!
منذ إعلان عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، قراره عدم الترشح لولاية ثالثة، دخل الحزب مرحلة مخاض غير مسبوقة، جاءت في غفلة من “الجميع”، وأطلقت دينامية غير معلنة من “الكولسة والنقاشات المغلقة”، داخل الصالونات السياسية وأماكن التداول غير الرسمية، حول الخلفيات الحقيقية للقرار، ومآلاته، ومن سيخلف الرجل الذي كان قد استبق الزمن بإطلاق حملة سياسية ميدانية عبر تجمعات أسبوعية شملت عدداً من جهات المملكة؟.
فإعلان عقد مؤتمر استثنائي للحزب يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة، مع تحديد يوم الأربعاء 28 يناير كآخر أجل لإيداع الترشيحات، زاد من منسوب “الترقب”، غير أن غياب أي ترشيح معلن إلى حدود مساء يومه 27 يناير، فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الانتقال الجاري داخل “قفص الحمامة”، هل الحزب أمام تنافس حقيقي على الزعامة؟، أم أمام اختيار مضبوط سلفاً ينتظر فقط لحظة الإخراج الرسمي؟
لفهم ما يجري، لا يمكن عزل اللحظة الراهنة عن الخلفية التاريخية للحزب، الذي تأسس سنة 1978 في سياق سياسي خاص، لملء فراغ داخل الأغلبية الحكومية آنذاك، بقيادة أحمد عصمان، الذي غادر الوزارة الاولى لـ”يجمع المستقلين الأحرار” في حزب، استطاع بسرعة أن يتحول إلى قوة أغلبية داخل برلمان كان يتشكل من غرفة واحدة، وفي ظل ما كانت المعارضة تصفه آنذاك بانتخابات “الثلث الناجي” للبرلمان، لمواجهة ثقل الكتلة الوطنية، ومنذ ذلك التاريخ، ظل الحزب يؤدي وظيفة “التوازن” داخل النسق السياسي، بالمعنى الكلاسيكي.
هذا المعطى يجعل مسألة اختيار الرئيس الجديد شديدة الحساسية، ليس فقط داخل الهياكل الحزبية، بل أيضاً لدى “الجهات” التي ظلت تنظر إلى التجمع الوطني للأحرار باعتباره حزباً وسطياً، وضامناً لتوازنات دقيقة داخل المشهد السياسي، لذلك، فإن النقاش الجاري اليوم لا يقتصر على الأسماء، بقدر ما يلامس طبيعة الدور الذي سيلعبه في المرحلة المقبلة!.
في انتظار “المفاجأة!”، تتداول الكواليس أسماء وازنة، لكل واحد منها رمزيته ودلالاته. من بينها محمد أوجار، الذي راكم تجربة سياسية وحكومية وإعلامية، ويُنظر إليه كشخصية قادرة على مخاطبة النخب وإدارة التوازنات السياسية دون إحداث قطيعة مع الخط العام للحزب. كما يبرز اسم مولاي حفيظ العلمي، المرتبط بالنجاح الحكومي والتدبير القطاعي، والذي يُقدم باعتباره “رجل تنفيذ” أكثر منه زعيماً حزبياً تقليدياً، الامر الذي يفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة القيادة المطلوبة في مرحلة ما بعد أخنوش، ” قيادة سياسية.. أم قيادة تدبيرية؟”
ولا يغيب عن التداول اسم رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، الذي يتمتع بتجربة طويلة داخل الحزب والمؤسسة التشريعية، ويُنظر إليه كشخصية توافقية قادرة على ضمان انتقال هادئ دون إرباك داخلي أو صدام مؤسساتي، في المقابل، يُطرح اسم شكيب بنموسى من زاوية مختلفة تماماً، فرغم مكانته التقنية والمؤسساتية ومساره في مواقع المسؤولية العليا، لكن في غياب أي تجربة انتخابية سابقة يثير تساؤلات حول مدى انسجام ترشيحه مع منطق العمل الحزبي، القائم على الاحتكاك المباشر بالقاعدة والتنظيم والميدان.
وعلى الهامش، تتردد أيضاً أسماء من عالم المال والأعمال، من بينها رجل الأعمال ياسر الزناكي، ونادية فتاح .. وهما طرح يعكس استمرار النزعة التكنوقراطية-الاقتصادية داخل الحزب، ويثيرات في الوقت ذاته مخاوف من إعادة إنتاج نموذج قيادة مفصولة عن العمل السياسي بمعناه التمثيلي، وما قد يترتب عن ذلك من ضعف في التجذر التنظيمي.
وفي العمق، لا ينحصر السؤال الحقيقي في “من سيكون رئيس الحمامة المقبل؟”، بل يتجاوز ذلك إلى “أي تجمع وطني للأحرار بعد أخنوش؟”، وأي شخصية بديلة نالت رضى مراكز القرار؟، وهل سيواصل الحزب أداء دور أداة لتدبير التوازنات داخل الأغلبية؟، أم سيتجه نحو تعزيز طابعه الحزبي والتنظيمي؟، وهل الحزب أمام انتقال فعلي للقيادة، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس الدائرة الضيقة؟ وهل فتح “قفص الحمامة” قبل الأوان سيتيح لها التحليق بحرية في أجواء سياسية جديدة، أم أن مسارها مرسوم سلفاً لتستقر في حقل تم تصميمه بعناية ليكون مقراً للحكومة المقبلة؟
الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة، خاصة مع اقتراب استحقاقات 2026، التي ستشكل أول اختبار حقيقي للحزب بعد مرحلة أخنوش؛ اختبار لا يتعلق فقط بالأسماء، بل بقدرة “الحمامة” على التحليق خارج ظل زعيمها السابق، دون أن تفقد توازنها أو وظيفتها داخل المشهد السياسي المغربي.