في ظرفية سياسية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات تخليق الحياة السياسية داخل “المقرات” الحزبية استعدادا لانتخابات 2026، طفا على السطح بعض الملفات الساخنة المطروحة امام القضاء منها ما هو ذا صلة بمنتخبين وبرلمانيين إلى واجهة النقاش العمومي، وأثرها على المسار الحزبي للمعنيين، وكذا الفصل بين ما هو جنائي وما هو سياسي..
والبداية كانت بإعلان عبد الرحيم بن الضو، البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، تجميد عضويته الحزبية بشكل مؤقت، إلى حين البت القضائي النهائي في الملف التجاري المعروض أمام العدالة، وهي خطوة وُصفت داخل الأوساط السياسية بأنها “وقائية” تهدف إلى تحييد الحزب عن تبعات قضيته، حيث أكد المعني بالأمر بأنها لا تمت بصلة لانتمائه السياسي، بل ترتبط بنزاع مهني يخضع حصريا لتقدير القضاء.
في حدود “النزاع التجاري”، بعد مثول بن الضو، بصفته رجل أعمال ومسير شركة “الذهب الأبيض”، أمام قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وصدور قرار سحب جواز سفره وإغلاق الحدود في وجهه، وهي إجراءات احترازية ثقيلة عززت منسوب القلق لدى الرأي العام، خاصة مع طبيعة التهم الموجهة الى بن الضو رفقة ثلاثة أشخاص من بينهم طبيبان بيطريان، حيث وُصف الملف بأنه من أخطر ملفات الغش الغذائي المعروضة على القضاء خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى خطورة الأفعال المنسوبة اليه، من استيراد وتوزيع مواد غذائية فاسدة، إلى استعمال مواد كيميائية وبيولوجية غير مرخصة..
و موازاة مع هذا التطور، عاد إلى الواجهة مرة أخرى ملف آخر لا يقل حساسية، ويتعلق بالبرلماني السابق عن حزب التجمع الوطني للأحرار، رشيد الفايق، القابع حاليًا بسجن فاس على خلفية شبهات فساد مالي مرتبطة بانتخابات 2021.
والجديد في هذا الملف، هو تحرك دفاعه عبر توجيه تذكير رسمي إلى رئاسة النيابة العامة بشأن شكاية سبق أن وضعها الفايق لدى الوكيل العام للملك بفاس، يتهم فيها مسؤولين سياسيين وإداريين طلبوا منه مبالغ مالية تقارب 8 ملايين درهم، لضمان ثلاثة مقاعد برلمانية خلال انتخابات 8 شتنبر 2021، ويتوفر الفايق على تسجيلات صوتية يعتبرها “أدلة دامغة”، أعادت النقاش إلى مربع الشفافية الانتخابية وحدود المسؤولية المشتركة بين المال والسلطة، وقد ورد اسم محمد شوكي، أحد المرشحين لخلافة اخنوش على راس حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب اسم كاتب عام سابق بعمالة فاس، ضمن الشكاية نفسها.
ومن هنا يبرز السؤال السياسي الجوهري: هل يمكن لمثل هذه الملفات، حتى قبل حسمها قضائيًا، أن تؤثر على المسارات القيادية داخل الأحزاب؟ في مقارنة خطوة بن الضو بتجميد عضويته داخل “البام”، مع وضعية محمد شوكي داخل “الأحرار”، يفتح نقاشًا حول ازدواجية المعايير أو اختلاف التقدير السياسي للأخطار. فبين من اختار الانسحاب المؤقت حمايةً للحزب، ومن يواصل مساره القيادي في انتظار مآلات القضاء، تبدو الأحزاب أمام امتحان حقيقي في ترجمة شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى ممارسات ملموسة.
وفي المحصلة، لا تتعلق هذه الملفات فقط بأشخاص أو أحزاب بعينها، بل تمس صورة العمل السياسي برمته، وحدود التداخل بين المال والانتخاب، ومدى استعداد الأحزاب لتحمّل كلفة القرارات الأخلاقية الصعبة، ومع ترقّب الرأي العام لما ستكشفه التحقيقات القضائية من معطيات إضافية، يبقى الرهان الأكبر هو أن تظل العدالة بعيدة عن كل توظيف سياسي، وأن تستخلص الأحزاب الدروس الضرورية لإعادة بناء الثقة في زمن بات فيه الشك هو القاعدة، والمصداقية عملة نادرة، في افق انتخابات 2026!.