في افق انتخابات 2026: إذا لم يقطع الناخب مع “فيروس 200 درهم”.. فلن يتغير شيء مهما تغيرت الأسماء والشعارات!!
منذ إعلان عزيز أخنوش انسحابه المبكر من واجهة المشهد الحزبي قبل لحظة التقييم السياسي، أو ما وصفه عبد الله بوانو بـ”الخروج قبل محطة الأداء”، دخلت الخريطة الحزبية مرحلة سيولة واضحة عنوانها إعادة التموضع بحثاً عن المصالح أكثر من البحث عن الاختيارات السياسية. فبانتهاء صلاحية الزعامة التي كانت تؤطر توازنات حزب التجمع الوطني للأحرار، بدأت موجة انتقالات تكشف أن جزءاً من النخبة الانتخابية لا يرتبط بالنضال ولا بالهوية الحزبية بقدر ما يرتبط بفرص التموقع والبحث عن المأوى السياسي الأكثر حظاً في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق برز نموذج المنتخب الذي يغير الحزب مع كل ولاية انتخابية، متنقلاً بين الحركة الشعبية والأحرار ثم الأصالة والمعاصرة، في صورة أصبحت مألوفة داخل الحياة السياسية. لم يعد الأمر استثناءً، بل تحول إلى ثقافة سياسية قائمة بذاتها، حيث يغدو الحزب وعاءً انتخابياً مؤقتاً، ويصبح المنتخب فاعلاً براغماتياً يبدل اللون دون أن يبدل الخطاب المحلي الموجه للناخبين، ما يفرغ الأحزاب من وظيفتها التأطيرية ويحيلها إلى منصات عبور بدل كونها مؤسسات سياسية.
في الضفة الأخرى، اختار عبد الهادي خيرات، أحد قدماء الاتحاد الاشتراكي، إنهاء مساره داخل حزب التقدم والاشتراكية بعد عقود من الانتماء اليساري. هذه الخطوة لا تبدو مجرد قرار شخصي، بل مؤشر على ارتباك المجال الإيديولوجي التقليدي، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على استيعاب رموزها التاريخية، وأصبحت الهوية التنظيمية تتراجع أمام الحسابات الفردية، فصار المناضل القديم يشعر بالغربة داخل التنظيم أكثر من خصومه خارجه.
أما محمد الفاضلي، أحد أقدم وجوه الحركة الشعبية، فقد دخل بدوره مرحلة “المفاضلة السياسية” بعد نصف قرن من الانتماء الحركي، في دلالة على انتقال السياسة من زمن الوفاء التنظيمي إلى زمن التوقعات المرتبطة بتوازنات الحكومة المقبلة، خاصة مع تداول اسم نزار بركة كمرشح قوي لقيادة حكومة ما بعد 2026.
وهكذا تتحول التحالفات إلى استثمار استباقي في السلطة المحتملة، ويصبح التموضع قبل الانتخابات جزءاً من الحملة الانتخابية نفسها في ظل ضعف الديمقراطية الداخلية للأحزاب واستمرار منطق التحكم في هياكلها.
وتبرز في الخلفية ظاهرة انتقال عدد من المنتخبين نحو أحزاب مرشحة للصدارة استعداداً لمرحلة المشاريع الكبرى المرتبطة باستحقاقات 2030، حيث لم يعد الاستقطاب قائماً على البرامج أو المرجعيات بقدر ما صار مرتبطاً بالقدرة على تدبير الاستثمار والمشاريع الترابية. السياسة هنا تتجه نحو منطق تدبيري أكثر منه تنافساً فكرياً.
غير أن كل هذه التحركات تظل رهينة بسلوك الناخب، فقد أظهرت التجربة أن الترحال السياسي ينجح فقط حين يجد بيئة انتخابية قابلة للبيع والشراء، بما يسمى “فيروس 200 درهم”، الذي لا يمثل مجرد رشوة عابرة بقدر ما ينتج آثاراً تمتد لولاية كاملة، إذ يتحول القرار الانتخابي من تعبير عن الإرادة إلى عقد منفعة مؤقت، فتقود المؤسسات منتخبة بعقلية تجارية لا بمنطق تدبيري.
لذلك فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يغير الحزب، بل بمن يمنحه الشرعية بعد التغيير. وإذا لم يقطع الناخب مع هذه الممارسات فلن يتغير شيء مهما تغيرت الأسماء والشعارات، وستبقى الحكومات انعكاساً لخريطة النفوذ لا لخريطة البرامج.
مرحلة ما بعد 2026 تبدو في مفترق الطرق: إما استمرار إعادة تدوير النخب داخل نفس المدار، أو الانتقال إلى لحظة سياسية مختلفة يسير فيها المغرب بسرعة واحدة منسجمة مع رهاناته التنموية والدولية. حينها فقط قد يتحول موعد 2030 من حدث رياضي عالمي إلى محطة نضج سياسي، أما قبل ذلك فستظل السياسة تتحرك بأقدام الناخبين أكثر مما تتحرك بخطابات السياسيين.